الجمعة, يونيو 5, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالغارات الأمريكية على اليمن.. استنزاف بلا نصر!

الغارات الأمريكية على اليمن.. استنزاف بلا نصر!

سودان تمورو:

بين زئير التصريحات الرئاسية وصمت الحقائق العسكرية، تكشف تقارير “نيويورك تايمز” عن فجوة عميقة بين الخطاب الأمريكي المُعلَن والواقع الميداني في اليمن. فبعد أسابيع من الحملة الجوية الأمريكية ضد مواقع “أنصار الله”، يعترف مسؤولون في البنتاغون بأن هذه الغارات لم تُحقق سوى نجاحٍ هزيل، بينما استنفدت مخزونات الذخائر، وكشفت عن محدودية القدرات الاستخباراتية لواشنطن وحلفائها في مواجهة تنظيم يمني اعتاد ساحات القتال وصقل خبراته في أقسى الحروب.

قبل أن يخوض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مغامرته العسكرية في اليمن، نصحه خبراء عسكريون بالكف عن التصعيد، مُحذرين من أن أجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية وحتى الغربية عاجزة عن تحديد مواقع تصنيع وتخزين الصواريخ والمسيرات التابعة لـ”أنصار الله”. هذه ليست مجرد ثغرة استخباراتية عابرة، بل نتاج حربٍ خاضتها الجماعة لسنوات ضد التحالف السعودي الأمريكي، براً وبحراً وجواً، دون أن تنكسر. بل إنها خاضت معارك شرسة في 2023 و2024 ضد الكيان الصهيوني والتحالف البريطاني الأمريكي ضمن جبهة دعم غزة، مُثبتةً مرونةً عسكريةً وقدرةً على التكيف تفوق التوقعات.

لكن إدارة ترامب، التي ظلت تُردد في خطاباتها أنها تُرسل رسائل إلى “الأصدقاء قبل الأعداء”، اختارت تجاهل هذه التحذيرات، وسلكت مساراً أشبه بـ”تجريب المُجرَّب”. فما كان من الهجوم المكثف على البنى التحتية لليمن إلا أن كرّس الفشل الذريع، وأثبت أن القوة العسكرية لا تكفي لتحقيق النصر ضد خصمٍ يمتلك خبرة تراكمية في الصمود والردع.

لم تكن الغارات الأمريكية سوى استنزاف مكلف—ليس فقط للذخائر، بل للمصداقية. فبينما يُصر البيت الأبيض على تصوير الضربات الجوية كضربات “حاسمة”، تكشف الوقائع أن “أنصار الله” ما زالت قادرة على الرد، بل وتطوير أدواتها. الفشل الأمريكي هنا ليس تقنياً فحسب، بل هو فشل في قراءة التاريخ فمن فيتنام إلى أفغانستان، تكرر واشنطن نفس الخطأ؛ الاعتقاد بأن التفوق العسكري المادي كافٍ لإخضاع شعوبٍ رفضت الانكسار.

اليوم، يعيد اليمن كتابة هذه الحكاية من جديد. فالقصف الذي كان يُفترض أن يُضعف “أنصار الله” زادها صلابة، والذخائر التي أُهدرت لم تُسقط سوى أوهام السيطرة. والدرس الأهم هنا أن الحرب لا تُقاس بعدد القنابل، بل بقدرة الخصم على التحمل. وهذا بالضبط ما أدركه الخبراء العسكريون قبل أن تندلع النار، لكن البيت الأبيض سيطر عليه الغرور بدلا عن الحكمة.

إذا كانت هذه الغارات قد أثبتت شيئاً، فهو أن اليمن ليس ساحةً سهلةً للعبة القوى. فالفشل الأمريكي ليس نهاية المطاف، بل بداية لتداعيات أوسع تصاعد المقاومة، وتآكل المخزون العسكري الأمريكي، وتقويض الموقف الدولي لواشنطن كقوةٍ عظمى قادرة على فرض إرادتها. وفي الوقت الذي تُعلن فيه الإدارة الأمريكية “النجاح”، فإن البنتاغون يعترف بالهزيمة.

لقد حذر العقلاء في البيت الأبيض ترامب من أن اليمن هو مقبرة الغزاة، لكنه آثر أن يتعلم الدرس بالطريقة الصعبة. والآن، بعد أن استنفدت الذخائر ولم تُحقق سوى نجاحٍ وهمي، يبدو أن الفاتورة ستكون أعلى مما توقعه الجميع—خاصةً أولئك الذين ظنوا أن الحرب على اليمن ستكون نزهة عسكرية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات