سودان تمورو:
لا غرابة في أن يُطلق يائير لابيد، زعيم المعارضة الإسرائيلية، توصيفه لنتنياهو بأنه “زعيم منظمة إجرامية”، فهذه ليست إدانة بقدر ما هي اعترافٌ صريح من داخل الكيان نفسه بطبيعة هذا الكيان الذي بُني على الإجرام وترّسخ بالدم. لكن المفارقة الساخرة تكمن في أن لابيد، وهو ينتقد نتنياهو، لا يختلف عنه في الجوهر؛ فكلاهما وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يسعى لتحقيق ذات الأجندة الصهيونية الدموية، وإن اختلفت الأساليب. فإذا كان نتنياهو يقتل الفلسطينيين بالحديد والنار، فإن لابيد يريد قتلهم بالخداع والمناورة السياسية.
لم يعد هناك أدنى شك في أن ما يجري في غزة هو جريمة إبادة جماعية بكل المقاييس. كل ليلة تزداد بشاعة، وكل صباح يكتشف الغزيون أن القتل قد تجاوز كل الحدود. لقد تجاوزت جرائم الاحتلال كل التصورات، حتى صار اليأس سيد الموقف، وصار الناس يتساءلون..هل الخيار أصبح بين التهجير أو الإبادة الكاملة؟ المشهد لم يعد يحتمل الصمت، لكن الصمت هو كل ما يقدمه العالم.
صحيح أن الأمتين العربية والإسلامية، وحتى بعض الأصوات الشريفة في الغرب، قد أدانت هذه الجرائم، لكن الإدانة وحدها لا توقف دبابة، ولا ترفع حصاراً، ولا تُعيد طفلاً شهيداً إلى حضن أمه. أين الجامعة العربية التي لا تجيد سوى إصدار البيانات؟ وأين منظمة التعاون الإسلامي التي تحولت إلى منبر للخطابات الرنانة؟ لقد أصبحت الإدانات اللفظية غطاءً للعجز، وستظل كذلك ما لم تتحول إلى فعل ملموس.
في وسط هذا المشهد الكئيب، برزت بعض الدول والكيانات التي حاولت أن تفعل شيئاً، وإن كان محدوداً. اليمن بمواقفه الصلبة، لبنان بمقاومته، إيران بدعمها وعملية الوعد الصادق، وجنوب أفريقيا بخطوتها الجريئة في محكمة العدل الدولية. لكن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى غير كافية في مواجهة آلة إبادة تدعمها أقوى دول العالم.
الخطر الصهيوني لا يتوقف عند حدود فلسطين، فالتاريخ يشهد أن هذا الكيان لا يعرف إلا لغة التوسع. جنوب لبنان، الجولان، سيناء… كلها على قائمة المطامع الصهيونية. والرسالة واضحة.. من يتخاذل اليوم عن غزة، سيجد نفسه غداً في مرمى النار. الشاعر العربي قالها منذ قرون: “تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا… وإذا افترقن تكسرت آحادا”. فهل نتعظ؟
النصر لا يُكتسب بالتمني، ولا بالخطابات. النصر يحتاج إلى وحدة حقيقية، وإرادة صلبة، واستعداد للتضحية. فإما أن نتحد ونقف كالجدار الواحد، وإما أن ننتظر دورنا في طابور الإبادة. اللهم انصر أهل غزة، ووحد صفوف المسلمين، وأهلك هذا الكيان الإجرامي.
