سودان تمورو
في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ثمة خطّ رفيع بين السيّد والوكيل، بين الخادم والمخدوم. فبينما يرى دونالد ترامب أن إسرائيل مجرد أداة لتنفيذ المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، يعاملها نتنياهو وكأنها شريكٌ مساوٍ، بل قد يتجاوز ذلك أحياناً إلى التعامل مع واشنطن كحليفٍ تابع.
ترامب يُصرّ على أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس منّةً مجانية، بل استثماراً يجب أن يُدار بمنطق المصلحة. فهو يرى أن إسرائيل خادمة للمصالح الأمريكية، وعليها أن تلتزم بالدور الذي رُسم لها:..حارسٌ للهيمنة الغربية وعامل إضطراب للمنطقة. كما يعتبر أن المساعدات العسكرية والسياسية لا تُمنح بدافع القيم أو الضغط، بل مقابل خدماتٍ ملموسة، وهي ليست حقاً مكتسباً بفعل نفوذ اللوبي الصهيوني، بل مشروطة بالولاء والانضباط. من وجهة نظره، فإن السيطرة الصهيونية على مراكز القرار في واشنطن تجاوزت الحدود، وباتت تشكّل تهديداً على استقلالية القرار الوطني الأمريكي.
ورغم هذا الخطاب الصارم، فإن ترامب وقع في التناقض ذاته.. فبينما ينتقد التغوّل الإسرائيلي، منحها أكبر الهبات السياسية، كاعترافه بالقدس عاصمةً لها واعتبار الجولان أرضاً إسرائيلية، لكنه في الوقت ذاته يريد من إسرائيل أن تبقى وكيلاً مطيعاً، لا شريكاً متغطرساً.
نتنياهو، على النقيض، يتعامل مع الدعم الأمريكي وكأنه حقٌ إلهي لا يخضع للحسابات السياسية. فهو يستغلّ الهيمنة الصهيونية على الكونغرس والإعلام لتحويل واشنطن إلى حاضنةٍ لقراراته، لا مراقبةٍ عليها. ويذهب أبعد من ذلك حين يتحدّى ترامب علناً، كما فعل في رفضه التنازل عن شبرٍ من الضفة الغربية في إطار صفقة القرن، ملوّحاً برسالة واضحة..”أنت تحتاجنا أكثر مما نحتاجك.”
كما أن نتنياهو يحوّل إسرائيل إلى قوةٍ ضاربة داخل السياسة الأمريكية نفسها، عبر شبكة مصالح مالية وإعلامية تمتد من وول ستريت إلى هوليوود، مما يجعل من يعارض إسرائيل في واشنطن يواجه خطر العزل السياسي، أو السقوط الانتخابي. وأي رئيس أمريكي يجد نفسه محاصَراً بين خيارين.. إما أن يطيع، أو يُهزم.
في هذا الصراع، ترامب يراهن على ورقة المال مقابل الولاء، بإمكانه تقليص المساعدات أو تهديد نتنياهو بفتح ملفات الفساد. أما نتنياهو، فيلعب بورقة التأييد اليهودي العالمي واللوبي الصهيوني القادر على تحريك الداخل الأمريكي لإسقاط أو دعم أي مرشح، مهما بلغت شعبيته.
لكن السؤال الجوهري يبقى.. هل تستطيع واشنطن فعلاً التحرر من النفوذ الصهيوني؟ فالتاريخ يقول إن الصهيونية السياسية قد تغلغلت في مفاصل الدولة الأمريكية بعمق، إلا أن ترامب – بكل ما يمثله من فوضوية وغرور – أطلق محاولة جريئة لاستعادة السيطرة على القرار الأمريكي.
فهل تنجح هذه المحاولة في كسر القيد الصهيوني، أم أن إسرائيل أصبحت هي الراعي الحقيقي، وواشنطن مجرّد رعية تسير خلفها؟ في النهاية، هذه ليست مجرد معركة بين ترامب ونتنياهو، بل صدامٌ بين منطقين.. منطق إمبراطورية تريد وكيلاً خاضعاً ينفذ أوامرها، ومنطق كيان صغير يرفض أن يكون إلا سيد نفسه – وسيد غيره أيضاً.
