الثلاثاء, مايو 5, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالسودان بين نيران الماضي ومخاض المستقبل

السودان بين نيران الماضي ومخاض المستقبل

سودان تمورو:

ما قبل 15 أبريل 2023 كان وهماً، وكان الوطن يختنق تحت أنقاض فساد مستشري، وسلطة منزوعة السيادة، ومليشيات تتكاثر بلا رادع كالفطر السام. لم يكن ذلك السودان دولة، بل كياناً هشاً يتآكله الطمع السياسي، وتنخره المليشيات والارتزاق باسم العمل الحزبي. لذلك، فإن الحديث عن العودة إلى ما قبل هذا التاريخ، ليس فقط ضرباً من العبث، بل خيانة للدماء التي سالت والآمال التي تشكلت تحت أزيز الرصاص.

لقد كُشف الغطاء، وسقطت الأقنعة. وعندما اندلعت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت لحظة الحقيقة التي فضحت هشاشة الدولة، وأظهرت حجم الاختلال في بنية السلطة والمجتمع. من كان يظن أن بوسع المليشيات أن تفرض هيبتها على المدن الكبرى، أن تسيطر على مراكز القرار، أن تفرض سطوتها على المواطن، كان يعيش في غيبوبة. وما تصريح المجرم الباشا طبيق عن أن “العودة إلى ما قبل 15 أبريل مستحيلة” إلا شهادة اعتراف بهذه الحقيقة.

المرحلة المقبلة لا تحتمل المجاملات. لا مكان بعد اليوم لمن يصعد على ظهر السلاح أو المحسوبية. الكلمة ستكون فقط للكفاءات، للعقول التي تصنع حلولاً، لا للأيادي التي تحفر خنادق الانقسام. لا نريد بعد الآن أن تُؤسس الأحزاب لتكون دكاكين يقتات منها العاطلون عن العمل، ولا أن تُترك البلاد لكل من يحمل بندقية ويتحدث باسم “قضية”. انتهى زمن المساومات، وبدأ زمن بناء الدولة.

لا بد من حل شامل ونهائي للمليشيات مهما كانت مسمياتها، وتجريم تكوينها تحت أي غطاء. يجب أن يُعاد تعريف العمل الحزبي عبر قوانين صارمة، تُلزم أي حزب جديد بالحصول على تأييد جماهيري لا يقل عن خمسة ملايين مواطن، حتى لا يُصبح الحزب وسيلة للتسول السياسي. الانقلابات كذلك يجب أن تُجرّم بوضوح، وألا يُترك للقوة أن تحكم مكان الإرادة الشعبية.

ما نريده اليوم ليس إصلاحاً شكلياً، بل إعادة بناء السودان من الصفر، على أسس دستورية راسخة، ومؤسسات تُدار بالكفاءة لا بالولاء. يجب تفكيك تداخل السلطات، وتحقيق فصل حقيقي بينها، حتى لا نعود إلى مربع السيطرة الفردية أو العسكرية.

المستقبل لن يُمنح، بل يُنتزع. ولا يُنتزع إلا بشجاعة قول الحقيقة.. إن الماضي كان جحيماً مموهاً بأقنعة “الاستقرار الكاذب”. وإن السودان الجديد لن يولد إلا إذا اجتمع الناس على كلمة سواء.. لا للفساد، لا للمليشيات، لا للانقلابات، لا للمحسوبية. نعم للدولة المدنية، نعم للكفاءة، نعم لحكم القانون.

من لا يزال يراهن على إعادة إنتاج نفس المنظومة الفاشلة، لم يفهم بعد حجم الخراب، ولم يسمع جيداً صرخة الشارع ولا أنين الوطن. السودانيون لا يريدون العودة، بل يريدون خلاصاً حقيقياً، ولا خلاص إلا بقطع الحبل السُري مع ماضٍ كان يتنفس عبر الفوضى.

السودان الجديد أو لا شيء.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات