خاص سودان تمورو
في قلب السودان، حيث تتحوّل الجغرافيا إلى ساحةٍ للموت المجاني، تشهد كردفان فصلًا دامياً من رواية سودانية لم تُكتب نهايتها بعد. الخوي، الدبيبات، النهود، ليست أسماءً على الخريطة، بل رموزٌ لمعركة وجود، ومفاصل في حربٍ تُراد لها أن تعيد رسم توازنات السلطة والنفوذ على أنقاض الإنسان السوداني. هنا لا تُخاض المعركة من أجل النصر، بل من أجل ألا تُهزم. وهنا، تتجاوز الحرب كونها نزاعًا عسكريًا لتصبح محرقةً تُغذّيها السياسة، ويُديرها العجز الدولي، وتُشعلها حسابات العرق والموارد والانتماء.
الخوي، لم تعد تلك البلدة الهادئة الواقعة على الهامش. لقد أصبحت نقطة انكسار أو انتصار، عقدة استراتيجية يراها الجيش خط الدفاع الأخير عن الأبيض، المدينة التي لا يُسمح بسقوطها مهما كان الثمن، لأنها تمثّل قلب الإمداد والقيادة، وإذا سقطت، سقطت معها معنويات القتال في الوسط السوداني بأكمله. بالمقابل، يرى فيها الدعم السريع ممرًا إلى قلب السودان، ومفتاحًا لدفعةٍ معنوية يستعيد بها توازنه ويكسر بها أسطورة تفوق الجيش في المعارك الكبرى. ومن هنا، تتحوّل السيطرة على المدينة إلى هدف يومي، تُؤخذ وتُستعاد في حلقاتٍ دامية من “اللا انتصار”، حيث لا رابح سوى الخراب.
كل شيء في هذه الحرب أصبح سلاحاً. المستشفيات تُضرب عن عمد، لا لإرباك العدو عسكريًا، بل لإرهاب السكان ودفعهم إلى النزوح، وإفراغ المدن من الحياة لملء الفراغ بالسيطرة. القصف العشوائي للأحياء لم يعد خطأ في الإحداثيات، بل سياسة ممنهجة تستهدف الإرادة، لا البنية التحتية فقط. حين يُقتل طفل نائم، أو تُنتشل أمٌ مفجوعة من تحت الأنقاض، تُصبح الرسالة واضحة.. لا أحد في مأمن، ولا كلفة باهظة على الفاعلين. أما الإعلام، فليس ساحة للحقائق، بل معركة أخرى، تُنشر فيها انتصارات وهمية على حساب ركام المدن وأشلاء الأبرياء، بينما الحقيقة تُدفن في قبور جماعية بلا أسماء.
ووسط هذا الجحيم، يبقى السؤال المُرّ.. أين العالم؟ لماذا يصمت الجميع بينما تُباد قرى بأكملها، وتُهجر مدن عمرها مئات السنين؟ لماذا يُختزل الصراع في خطابٍ كسول عن “أطرافٍ متقاتلة”، بينما الحقيقة أنه يُرتكب في كردفان ما يرتقي إلى جرائم حرب مكتملة الأركان؟ طفل فقد عينيه تحت أنقاض مستشفى الأبيض، امرأة تمشي في الصحراء تحمل جثة رضيعها، شيخ يذوي جوعًا في دار حمر… هذه ليست حالات فردية، بل ملامح عامة لمأساة تتكرّر دون رادع، في ظل عجزٍ دوليٍ مريب وسكوتٍ إقليميٍ يُفضي إلى التواطؤ.
ولا يبدو أن هذه الحرب ستُحسم قريبًا. الجيش يعلم أن أي تراجع شرقا أو شمالًا يعني اقتراب الدعم السريع من الأبيض، واحتمال سقوطها بما يحمله ذلك من كارثة عسكرية وسياسية. لذلك سيستميت في الدفاع عن الخوي والدبيبات مهما كانت الكلفة. في المقابل، فإن الدعم السريع يدرك أن توغل الجيش غرباً أو جنوبا يعني اقترابه من قواعد الدعم الاجتماعية، لكنه أيضًا يعرف أن الانكفاء أو الانسحاب سيُفسر كضعف وسيهدد تماسكه الداخلي، خاصة مع تنامي السخط في بعض مناطق المسيرية. هذه المعادلة تجعل من الحرب معركة استنزافٍ مفتوحة، يدفع المدنيون فيها الثمن الأكبر، بينما تزداد مبيعات السلاح، وتتزايد أعداد القبور.
كردفان اليوم ليست مجرد جبهة قتال، بل ناقوس خطر يُنذر بتفككٍ قادم إذا لم يُكسر هذا المسار. لكن التاريخ يُعلّمنا أن الحروب لا تنتهي عندما يُهزم طرف، بل عندما يتعب الجميع من القتل. فكم من الدم يجب أن يُراق؟ وكم من المدن يجب أن تُمسح عن الوجود؟ ومتى يُدرك السودانيون أنهم يُستخدمون وقودًا في معركةٍ لا طرف فيها ينتصر، سوى الموت؟.
كان الله في عون أهل دار حمر… فما أشبه اليوم بالبارحة، وما أقسى أن تتكرّر المأساة كل مرة بلا عبرة.
