سودان تمورو:
في عالمٍ ازدحم بالصخب وتبلّد الضمير وتاهت فيه الحقائق بين المصالح والرعب من الخسارة خرج صوت نقيّ ليكسر هذا الصمت الثقيل. بيب جوارديولا الذي اعتدناه سيدًا في ساحات الكرة ارتدى عباءة الضمير الإنساني ووقف متأملاً جراح غزة ناطقًا بما يخشاه كثر ومعبّرًا بصدقٍ عن ألمٍ لم يعد يُحتمل. جوارديولا لم يتحدث كسياسي ولم يتخذ موقفًا دعائيًا بل قالها كما يشعرها أي إنسان لا يزال يحمل في قلبه نبض حياة.. “هذا يؤلم جسدي”.
تصريحاته كانت بمثابة مرآة كاشفة لنفاق عالمي اختار تجاهل صرخات الأطفال تحت الأنقاض وتغافل عن الأشلاء المتناثرة قرب أبواب المستشفيات المحاصرة. لم يقل إن لديه الحل لكنه قال ما يجب أن يقوله كل من يمتلك صوتًا.. “كن حذرًا؛ أنت القادم؛ طفلك القادم سيكون أنت”. كلمات خرجت من قلب أب مرتجف يرى صورًا تشبه كوابيس قد تمسّ أولاده يومًا ما وكأن الإنسانية أصبحت دومينو تنتظر متى يحين دور سقوطها على الجميع.
قصة الطائر الصغير التي رواها ليست حكاية رمزية فقط بل اختبار حقيقي للضمير الفردي. الطائر يعلم أن قطرات مائه لن تخمد النار لكنه يقوم بدوره. لا ينتظر الإجماع ولا يُقارن أثره بأثر الفيل أو الأسد بل يختار أن لا يقف متفرجًا. إنها دعوة لمقاومة العجز المفترض وكسر أسطورة “تأثيرك لا يهم” التي تحولت إلى شماعة يعلق عليها كثيرون جبنهم ولامبالاتهم. جوارديولا لم يختر الطريق الأسهل لم يركب موجة الحياد الخادع بل نزل إلى الميدان الأخلاقي العاري وقال.. “أنا أقوم بدوري”.
من المُخجل أن يُعطي مدرب كرة قدم درسًا في المروءة لمن يتصدرون المشهد الإعلامي وهم يدفنون رؤوسهم في رمال المصالح. كم من نجم أو مؤثر مسلم اختار الصمت أو تحدث بالتلميح الخائف كي لا يخسر إعلانًا أو عقدًا أو جمهورًا غربيًا. بينما يأتي جوارديولا غير المسلم ليجسد حديث نبي الإسلام (ص).. “من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم”. لقد فاقت إنسانيته كثيرًا ممن يُفترض أن يكونوا أهل القضية.
إن كلمات جوارديولا ليست مجرد موقف عابر بل هي صفعة على وجه الصمت الجماعي ودعوة لأن نعيد تقييم أنفسنا.. هل نقوم بدورنا؟ هل نختار أن نكون على الجانب الصحيح من التاريخ أم نتماهى مع التيار كي لا نغضب جهة ما؟ الكلمة لم تعد ترفًا بل ضرورة أخلاقية وصرخة في وجه العار المتفاقم.
شكرًا بيب لأنك لست بحاجة لأن تكون عربيًا أو مسلمًا لتكون صاحب مبدأ. شكرًا لأنك أثبت أن الإنسانية لا تُقاس بالجنسية بل بالشجاعة. شكرًا لأنك لم تخف من أن تقول الحقيقة في زمن بات فيه الصدق تهمة والموقف ثمنه باهظ. شكرًا لأنك قمت بدورك وذكّرتنا أن الصمت خيانة وأن كل طائر صغير يملك قطرة يستطيع أن يشعل بها ضمير العالم.
