سودان تمورو:
في زمن تختلط فيه الحقائق بالدعاية وتتحول الأقلام إلى سكاكين تُشهر في وجه الوطن يظهر من كان يُحسب على صف الفقراء والمهمّشين ليصبح بوقًا يخدم سرديات تُجهز على ما تبقى من وحدة السودان. محمد خليفة المعروف بـ”خال الغلابة” لم يعد مجرد صحفي استقصائي بل بات شريكًا موضوعيًا في مشروع سياسي خطير عنوانه العريض.. تجريم المكوّن الدارفوري وتشويه صورة القوات المشتركة وتقديم دارفور كمنطقة متمردة تستحق العزل لا الشراكة. لم يكن تقريره الأخير عن أحداث مثلث الحدود مجرد تحليل بل بيان سياسي مشحون بلغة الإقصاء ممهور بختم الانفصاليين الجدد الذين وجدوا في المنصة الإعلامية وسيلة لاختراق الرأي العام تمهيدًا لتفتيت ما تبقى من الجغرافيا السودانية.
فجأة تصبح القوات المشتركة – وهي قوة نظامية تأسست بموجب اتفاق سلام – متهمة بالتفريط في السيادة وكأنها ميليشيا خارجة عن القانون لا طرف أصيل في المنظومة الأمنية. ويتحوّل تدخلها في نزاع حدودي مع القوات الليبية إلى جريمة سياسية مدبرة بينما يتم تجاهل السياق الأشمل.. هشاشة الحدود غياب التنسيق وطبيعة التهديدات التي تتربص بتلك البقعة النائية. لم يسأل “خال الغلابة” عن سر الهجوم الليبي ولا عن دور المهربين وتجار السلاح الذين يعبرون بحرية بل ركّز عدسته على القوات المشتركة وحدها ونسج حولها رواية تُناسب من يريد إقصاء دارفور من معادلة السلطة.
ما فعله محمد خليفة ليس مجرد انحياز مهني بل هو تموضع ضمن خطاب انفصالي يتغذى على تشويه الآخر. فحين يُصوَّر سحب القوات من المثلث كخيانة وتُختزل المعادلة الأمنية في صراع دارفوري-سوداني نكون قد دخلنا فعلًا مرحلة التفكيك الرمزي قبل الجغرافي. اللغة التي تبناها تقريره تخدم حملة متكاملة تستهدف نزع الشرعية عن الحركات المسلحة المشاركة في الحكومة المرتقبة وتُهيئ الرأي العام لرفض أي وجود لها في مؤسسات الدولة تمهيدًا لتقديمها كطرف مهدد لا شريك. وهو ما يصب مباشرة في مصلحة من يسعون لإعادة إنتاج المركز المهيمن الذي يتعامل مع الأطراف كمجرد مشاغبين.
والمفارقة أن هذا الهجوم الإعلامي تزامن مع تقدّم الجيش في جبهات كردفان ما دفع بأصحاب الأجندة الانفصالية إلى تحريك جبهة الغرب إعلاميًا لتقويض فكرة النصر الوطني الجامع وإعادة تصوير دارفور كشوكة في خاصرة الدولة. ومن هنا نفهم كيف أن “خال الغلابة” لم يكن يغرد خارج السرب بل ينسجم مع حملة ممنهجة تُستغل فيها الأقلام لتصفية الحسابات وتمهيد الطريق لمشروع الانفصال الناعم.
الخطير في الأمر أن هذه الخطابات تجد صدى لدى جمهور أتعبته الحروب وفقدان الثقة ما يجعل من السهل تعبئته ضد أي طرف يُراد شيطنته. والنتيجة.. تسويق رواية تُحمل القوات المشتركة مسؤولية أزمة حدودية عمرها عقود وتُخرجها من خانة الشراكة الأمنية إلى مربع العداء للوطن. إن ما يُرتكب بحق دارفور اليوم ليس فقط تشويهًا سياسيًا بل اغتيال رمزي لكيانٍ ناضل ليكون جزءًا من السودان لا عبئًا عليه.
المعركة إذًا لم تعد في المثلث الحدودي بل في وعي الناس. فمن يكتب اليوم لتشويه دارفور سيكتب غدًا لتبرير فصلها ومن يصوّر الحركات المسلحة كخطر سيبرر لاحقًا إقصاءها من أي تسوية. وما لم يتم التصدي لهذا الخطاب فإن السقوط في فخ الانفصاليين لن يقتصر على “خال الغلابة” بل سيتحول إلى موجة تجتاح الإعلام وتُعيد صياغة الأزمة الوطنية بلغة الكراهية والإقصاء.
السودان لا يحتاج اليوم إلى صحافة تتاجر بالغضب الشعبي بل إلى مواقف مسؤولة تُدرك أن اللعب بالنار في المثلث الحدودي قد يُشعل كل أطراف البلاد. فليتذكر “خال الغلابة” أنه إذا احترق الوطن فلن يبقى غلابى ليكون خالًا لهم.
