سودان تمورو:
لم يكن قرار رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس بإجلاء الجالية السودانية من إيران مجرد إجراء روتيني يُضاف إلى سجل الإدارات المتعاقبة بل تحوّل إلى فعل سياسي يحمل في طياته رسائل عميقة تتراوح بين الالتزام بحماية المواطن السوداني أينما كان والانعطافة الدبلوماسية التي قد تُقرأ في سياق التوترات الإقليمية المتصاعدة. ففي خضمّ الغارات الإسرائيلية المكثفة على طهران وردّ إيران بقصف تل أبيب يصبح قرار الإجلاء إشارة واضحة إلى أن السودان رغم هشاشة موقعه الاقتصادي والأمني لم يعد ذلك الغائبَ عن حسابات الأزمات الدولية أو المتفرجَ على مصير أبنائه في بؤر الصراع.
ما يميز هذا القرار هو توقيته الحاسم وعدم انتظاره لتحوّل الأزمة إلى حرب شاملة تضع السودانيين في مواجهة الموت المحقق. فالتاريخ يخبرنا أن كثيرًا من الحكومات كانت تبطئ في اتخاذ مثل هذه الخطوات حتى يصبح المواطنون وقودًا لأزمات لم يختاروا الدخول فيها. هنا يظهر رئيس الوزراء بمظهر المسؤول الذي يدرك أن السيادة ليست مجرد حدود جغرافية بل هي مسؤولية تمتد إلى حيث يوجد مواطن يحتاج إلى الحماية. وهذا الفهم وإن بدا بديهيًا إلا أنه نادرًا ما يتحوّل إلى سياسة فعلية في دول تعاني من تحديات داخلية كالسودان.
قرار الإجلاء هذا وإن كان يبدو إجراءً تقنيًا إلا أنه في حقيقته اختبارٌ لمدى جديّة السودان في الانتقال من دولة منهكة إلى كيان قادر على اتخاذ قرارات استباقية. نتمنى أن يكون هذا القرار بدايةً لمسيرة أطول حيث يصبح المواطن السوداني داخل وطنه أو خارجه محورًا للسياسات لا مجرد رقم في معادلات النخب. فالأوطان لا تُبنى إلا عندما تتحوّل الشعارات إلى أفعال والأفعال إلى ثقافة راسخة. والسؤال الآن: هل سيكون هذا القرار مجرد ومضة في ظلام طويل أم أنه النواة الأولى لعهد جديد؟.
