الإثنين, يونيو 8, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارهل يمكن للذكاء الصناعى ان يكون واعيا .. سلمان محمد

هل يمكن للذكاء الصناعى ان يكون واعيا .. سلمان محمد

سودان تمورو

بدأ الحديث عن وعي الآلات مع بدء اختراع الحواسيب، وأخذ في الازدياد مع ثورة الذكاء الاصطناعي. ولا تكاد تجد أثرًا لهذه المناقشات عن وعي الآلات قبل اختراع الحواسيب، وكأن الإنسان بدأ يشعر بالتهديد من تعدّي كيانٍ آخر على أهم خواصّه التي حكم الأرض بها، وشكلت أبرز ما يفرقه عن غيره من الكائنات، ألا وهو التفكير المنطقي.

ذات يومٍ وجدت نفسي غارقًا في نقاش مع أحد الأفاضل عن إمكانية اكتساب الذكاء الاصطناعي وعيًا، وقد جرّني هذا النقاش إلى تساؤلات لم تتوقف عند الذكاء الاصطناعي فحسب، بل امتدّت إلى أصل المشكلة حيث لا سبيل لحل المشكلة إلا بتبيينه؛ إذ ما هو الوعي أصلًا؟ وكيف نثبته أو ننفيه عن غيرنا من الكيانات؟

بما أن الذكاء الاصطناعي كائن مصنوع غير حي، ولا يشاركنا الأصل، فيستحيل افتراض وجود وعي فيه، أو حتى إمكانية ذلك مهما أظهر من السلوكيات الخارجية

ما هو الوعي؟
الوعي من كبرى المسائل الفلسفية تعقيدًا في التاريخ؛ إذ اختلف عليه كثيرون بشأن وجوده وتعريفه، فلم يُعتمد له تعريف واحد يجمع عليه الكل، حتى لُقب في الفلسفة بـ”المشكلة الصعبة”، ولعلنا إذا نظرنا في الجوانب المشتركة في تعريفات من عرَّفه، عرفنا سبب صعوبة المشكلة.

فمع اختلاف التعريفات نجد أن جميعها يشترك في أن الوعي هو الإحساس والدراية بالوجود الداخلي والخارجي، أو هو -كما وصفه الفيلسوف توماس ناغل- “شعور أن تكون” (what it is like to be) في مقاله المعروف عن الوعي: “ما شعور أن تكون خفاشًا”.

هل فكرت يومًا ما هو شعور قطتك؟ تنزل إليها وتحاول النظر إلى العالم من وجهة نظرها، ولكن هذا لا يعني أنك تعرف شعور تجربة القطة الذاتية، وإحساسها بمحيطها الداخلي والخارجي؛ فتجربة القطة الذاتية لا يشعر بها إلا القطة نفسها، ولا يمكن لأحد أن يعاين التجربة الذاتية لآخر بموضوعية.

وهنا تكمن المشكلة الكبرى؛ إذ إن الوعي في جوهره تجربة ذاتية، فكيف يمكن أن نصوغ له تعريفًا موضوعيًّا نقيس به وننفي ونثبت؟

الوعي لا سبيل لافتراض وجوده عند الغير إلا بالإسقاط الذاتي، والذكاء الاصطناعي لا يستوفي شروط هذا الإسقاط

كيف نثبت وجود الوعي أو ننفيه في غيرنا من الكائنات؟
إذا اخترعنا آلة تقلّد مظاهر الحياة البشرية، فهل يعني ذلك أنها كائن حي؟ لا.. فلو برمجنا ذكاءً اصطناعيًّا يقلد ملامح الإنسان وصوته وتفكيره، وبرمجناه على أن يقول لنا إنه واعٍ، هل ذلك يعني أنه اكتسب وعيًا؟ بالتأكيد لا؛ وبالتالي فإن السلوكيات الخارجية ليست مقياسًا في وجود الوعي، إذ إن تقليدها ممكن. فلا سبيل لمقياس موضوعي أن يثبت وجود تجربة ذاتية.

ولكن إذا اتفقنا على أن الوعي هو التجربة الذاتية التي لا يمكن أن يشعر بها إلا صاحبها، وأنا أعرف أن عندي وعيًا لأنني أشعر بهذه التجربة الذاتية، وبالتالي فليس هناك مقياس ظاهري؛ لأن تقليد الظاهر ممكن، فكيف يمكنني إذًا أن أفترض أن غيري من البشر لديهم وعي، وأتعامل معهم كل يوم على هذا الأساس؟ الجواب: لأنني أُسقط تجربتي الذاتية عليهم لوجود درجة معينة من التشابه. وبالتالي لا سبيل لافتراض وجود الوعي عند غيري إلا بالإسقاط.

ولكن إذا كان الأمر كذلك فعلًا، فهل هذا يعني أن الوعي محصور في البشر فقط؟ ولماذا نفترض وجود وعي عند غيرنا من الكائنات الدنيوية -كالحيوانات مثلًا- ونستبعده عن الصخور؟ ما هي شروط ذلك الإسقاط الذي به أفترض وجود وعي عند كيان منفصل عني؟ والبحث في هذه الشروط فيه الإجابة عن سؤالنا الأصلي.

بما أن الذكاء الاصطناعي كائن مصنوع غير حي، ولا يشاركنا الأصل، فيستحيل افتراض وجود وعي فيه، أو حتى إمكانية ذلك مهما أظهر من السلوكيات الخارجية، إذ إن الوعي -كما ذكرنا- لا سبيل لافتراض وجوده عند الغير إلا بالإسقاط الذاتي

ما هي شروط إسقاط الوعي على غيرنا من الكيانات؟
إذا نظرنا في استعمال الناس مفهوم الوعي، ومتى يُسقطونه على غيرهم من الكيانات، يمكننا استقراء الشروط الأساسية والصفات المشتركة، التي يشترك فيها كل ما يُسقط عليه البشر هذا الوعي، وهي:

الحياة.
مشاركتنا في الأصل الوجودي.
وجود درجة من التفكير المنطقي.
ويجب أن تجتمع هذه الشروط كلها في صفات الكائن الذي نفترض فيه وجود الوعي، وإذا اختل أحد هذه الشروط الثلاثة تجد الناس تفترض في الكائن عدم وجود الوعي تلقائيًّا.

فلو افترضنا أن الجراثيم -مثلًا- ليس لديها أي درجة تفكير منطقي، ننفي عنها الوعي تلقائيًّا، رغم توفر شرطَي الحياة ومشاركتنا الأصل الوجودي فيها.

ونفترض عدم وجود الوعي في الصخور والجمادات -مثلًا- لأنها غير حية.. وهكذا. وإذا طبقنا هذه الشروط على ما ذكرناه تكون النتيجة المنطقية كالتالي:

البشر: اجتمع فيهم الحياة ومشاركة الأصل البيولوجي وتفكير منطقي متشابه، وبالتالي إسقاط الوعي هنا صحيح.
الحيوانات: كائنات حية، وتشاركنا الأصل الوجودي إلى حدٍّ ما، وعندها درجات متفاوتة من التفكير المنطقي، وبالتالي إسقاط الوعي هنا صحيح، ولكن بدرجات.
الذكاء الاصطناعي: إذا أتينا إلى الذكاء الاصطناعي، نجد أنه قد أخل بشرطين هما الحياة ومشاركتنا الأصل الوجودي، وبالتالي فالإسقاط هنا باطل، حتى وإن توفر فيه شرط التفكير المنطقي.
وبناءً على هذه الشروط، بما أن الذكاء الاصطناعي كائن مصنوع غير حي، ولا يشاركنا الأصل، فيستحيل افتراض وجود وعي فيه، أو حتى إمكانية ذلك مهما أظهر من السلوكيات الخارجية، إذ إن الوعي -كما ذكرنا- لا سبيل لافتراض وجوده عند الغير إلا بالإسقاط الذاتي، والذكاء الاصطناعي لا يستوفي شروط هذا الإسقاط.

ولكن ألا يمكن أن يكون هناك وعيٌ آخر غير وعينا لا يكون إثباته بالقياس على أنفسنا؟

نعم ممكن، ولكن إذا قبلنا فكرة وجود وعيٍ مختلف عن هذا الوعي، لا يخضع لشروطه، وله علامات لا نعرفها، ولا يمكن افتراض وجوده بالإسقاط، فحينها يجب افتراض وجود الوعي في كل شيء، بما في ذلك كل الجمادات، ولن يكون الذكاء الاصطناعي حينها استثناءً عنها؛ فلن يكون لنقاشنا عن وعي الذكاء الاصطناعي معنى، بل سيكون النقاش في وعي كل الأشياء.

ولكن سبب حديث البعض اليوم عن وعي الذكاء الاصطناعي، هو توهم ملازمة الوعي للتحليلات المنطقية.

حذر بعض الباحثين بالفعل من نشوء ما يسمى “دين الآلة” في المستقبل، حيث تكون فيه الآلات مركز التقديس ومصدر التشريع، كما عبد الأولون أصنامهم

ختامًا، لما صنع السامري العجل الذي عبده بنو إسرائيل جمع فيه من الرموز والأشياء ما يَعظُم في صدور الناس حتى انبهروا به؛ فقد كان لحيوان العجل مكانة في ثقافتهم، لقوته ونفعيته الاقتصادية، ووجوده بين الآلهة المصرية القديمة التي كانت تعبدها الحضارة الغالبة آنذاك، والذهب هو أغلى عملة، فلما جمع الرمزين وأضاف إليهما وهم الحياة (الخوار)، عَظُم في قلوب الناس فانبهروا به وخُدعوا.

وإذا تأملت تجد أن عجل هذا الزمان هو التكنولوجيا، وذهبه هو الذكاء والتفكير المنطقي، فلما جُمع الاثنان وأضيف إليهما وهم الوعي (التفاعل واستعمال اللغة) بدأ البعض يتوهم إمكانية وعي هذه الآلة.

وقد حذر بعض الباحثين بالفعل من نشوء ما يسمى “دين الآلة” في المستقبل، حيث تكون فيه الآلات مركز التقديس ومصدر التشريع، كما عبد الأولون أصنامهم. وهذه نقطة جديرة بالوقوف عندها والتأمل طويلًا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات