سودان تمورو:
حينما يصدر رئيس مجلس السيادة قراراً بإخراج كل القوات المقاتلة والكيانات المسلحة من العاصمة خلال أسبوعين، فهو لا يمارس ترفاً سياسياً أو مناورة دعائية، بل يُعلن بصوت الدولة الصارم: “آن أوان استعادة العاصمة من فوضى السلاح”. هذا القرار ليس إجراءً أمنياً تقليدياً، بل هو فعل سيادي شجاع يؤسس لمعنى الدولة، الدولة التي تضع القانون فوق فوهة البندقية، وتعيد الجيش إلى مكانه الطبيعي: حارساً للحدود لا متربصاً بالمدنيين.
لقد آن للمدن أن تتنفس الحياة بلا بنادق ولا زي عسكري يتجول مختالاً في الطرقات. فالعاصمة التي تختلط فيها المؤسسات العسكرية بالأسواق والمدارس والمستشفيات تتحول إلى ثكنة مفتوحة، يستيقظ فيها المواطن على صوت الرصاص بدلاً من أصوات الحياة. السلاح وسط المدن ليس حمايةً لأحد، بل وصمة عار على جبين الدولة، واعتراف ضمني بفشلها في ضبط الأمن عبر مؤسساتها المدنية.
الذين يعارضون هذا القرار، أو يحاولون التشكيك فيه، هم إما تجار حروب اعتادوا الفوضى ويخافون من عودة هيبة الدولة، أو منتفعون من حالة اللا دولة التي تجعل من كل مسلح سيداً ولو كان بلا شرف عسكري. المدن تُبنى بالقانون، لا بالمليشيات، ولا يجوز أن تظل الرقاب مرهونة لمزاج الجيوش داخل حاضرة الوطن.
القرار يضع حداً لحالة التوحش المسلح التي أفسدت علاقة المواطن بمؤسسات بلاده. ولعل أخطر ما جلبته عسكرة المدن هو تآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتحول العاصمة إلى غابة تعج بالسلاح والابتزاز والتخويف. لذلك، إفراغ العاصمة من السلاح المقاتل هو تصحيح لوضع شاذ طال أكثر مما ينبغي.
لكن الحسم وحده لا يكفي، فالتاريخ علمنا أن مثل هذه القرارات إن لم تقترن بإرادة تنفيذ لا تعرف المساومة، ستظل حبراً على ورق. لا بد من معاقبة أي جهة تتباطأ أو تلتف على القرار، ولا بد من إغلاق كل الثغرات التي تسمح بإعادة تدوير الكيانات المسلحة تحت مسميات جديدة. هذه لحظة اختبار حقيقي لجدية الدولة: إما أن تفرض سيادتها بلا تردد، أو تظل أسيرة لعبة السلاح المفتوح.
وفي المقابل، على الشرطة أن تعود إلى قلب المشهد الأمني في المدن، لأنها هي المعنية بأمن الناس، لا الجيوش ولا المليشيات. فالجيش وظيفته حماية حدود الوطن لا حدود الأسواق والأحياء. لا استقرار اقتصادياً، ولا نمواً عمرانياً، ولا حياة مدنية حقيقية تحت راية الكلاشنيكوف. العالم لا يحترم دولة يحكمها السلاح، ويحترم فقط الدولة التي يحكمها القانون.
هذا القرار، إذا نُفذ بحسم لا يلين، هو ميلاد جديد لعاصمة تعانق الحياة، لا الموت. هو بداية الطريق نحو دولة مدنية حديثة لا يتجول فيها الموتى الأحياء بزي عسكري. السلاح مكانه الثكنات، والمدن للمدنيين. هذه هي الدولة التي يستحقها الناس… دولة لا يحكمها إلا القانون، ولا يحرسها إلا القانون.
