سودان تمورو:
في بلدٍ تمزقه الحرب وتنهشه أطماع الداخل والخارج، لا يملك المواطن رفاهية التصفيق لكل من يرفع راية التوبة السياسية متأخراً، ولا يحق لأي أحد أن يغسل يديه من الدم ثم يلوّح بها للكاميرات متقمصاً دور البطل التائب. الإعلان الذي صدر عن مجموعة من ما يُعرف بـ”المجلس الاستشاري” داخل مليشيا الدعم السريع، والذي جاء مفعماً بشعارات الوطنية والانحياز لضمير الأمة، يثير من الأسئلة أكثر مما يُجيب، ويضعنا أمام حقيقة مُرّة: في السياسة السودانية، ليست كل الانشقاقات شرفاً، وليست كل الاعترافات تطهيراً.
كيف لمن كان مستشاراً في مليشيا مارست القتل والحرق والنهب والاغتصاب لعقود، أن يأتي اليوم ليقول إنه “اكتشف” فجأة أن هذه المليشيا قد تجاوزت “كل الخطوط الوطنية والأخلاقية”؟ هل كانت مشاهد دارفور مجرد غشاوة على العين؟ هل كان دم الأبرياء في غرب السودان ووسطه وشرقه يمرّ مرور الكرام لأنهم لم يكونوا من دوائر المصالح الضيقة؟ إن هذه “اللحظة” التي وصفوها بلحظة ضمير، تبدو أقرب إلى لحظة إعادة تموضع في لعبة المصالح، لا لحظة صحوة وطنية.
ليس خافياً أن هذه القيادات، وربما غيرها لاحقاً، قد شعرت أن مائدة السلطة التي دشنتها ما تُعرف بـ”الحكومة الموازية” لم تسعهم، فاختاروا طَرق باب الجيش، لا من منطلق الإيمان بوحدة السودان، بل من منطلق النفوذ والمكاسب. لا ضير إن ساعد هذا الانشقاق في تفكيك بنية المليشيا المتصدعة أصلاً، لكن لا يجب أن يُخدع الناس ويُمنح هؤلاء صك غفران مجانياً. فالتاريخ لا يُمحى، والدم لا يجف.
قيادة الجيش، وهي تمضي بخطة تفكيك الخصم من الداخل عبر استراتيجية “انفضاض سامر القوم”، قد ترى في هذه الانشقاقات مكسباً آنياً، لكنها إن لم تُرفق هذه الترحيبات المؤقتة بمحاسبة صارمة، فإنها تفتح أبواباً واسعة لطوابير خامسة تزرع السم في العسل، وتتسلل بأقنعة المراجعة إلى قلب المعسكر الوطني. فليس كل من ارتدى عباءة الوطنية فجأةً يستحق أن يُعامل كمن ضحى من أجل الوطن منذ اليوم الأول.
أما حديث المنشقين عن مخاطبة الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي لـ”وقف الدعم غير المباشر للمليشيا” فهو قمة التناقض. أولاً لأنهم أنفسهم كانوا جزءاً من منظومة استفادت من هذا الدعم، وثانياً لأن الدول التي تدعم أو تغض الطرف عن جرائم المليشيا لا تفعل ذلك جهلاً بها، بل خدمةً لمصالحها، ولن تلتفت فجأة لهؤلاء لأنهم غيّروا موقعهم على رقعة الشطرنج. بل الأرجح أنهم سيُستخدمون كورقة ضغط جديدة، لا أكثر.
إننا أمام فصل جديد من فصول العبث السوداني، حيث يلوذ الجلاد بظل الوطن، ويختبئ بين الشعارات التي كان أول من داسها. قد لا يكون من الواقعي رفض كل انشقاق قادم من داخل المليشيا، لكنه من الجنون استقبال هؤلاء كمحررين، أو منحهم مكاناً في مستقبل البلاد من دون غربلة حقيقية لمسؤولياتهم السابقة.
السودان لا يحتمل مزيداً من الخداع. الانهيار الأخلاقي الذي أفرز هذه المليشيات لا يُمكن إصلاحه بانشقاقات انتهازية. المطلوب هو عدالة تُعيد تعريف الجريمة والخيانة، لا تصفيق يُكافئ الانتهازيين. فالأوطان لا تُبنى على التحالف مع من خانها بالأمس، بل على محاسبتهم، حتى لا يُكرر التاريخ نفسه بوجوهٍ جديدة وراياتٍ ملوثة.
