السبت, أبريل 18, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارمن يوقف مهزلة تحالف المصالح ومليشيات الابتلاع؟

من يوقف مهزلة تحالف المصالح ومليشيات الابتلاع؟

خاص سودان تمورو

لم تكن الثورة السودانية مشروعًا عاطفيًا ولا لحظة انفجار عابرة، بل كانت وعدًا لجيل كامل بالكرامة، بعد عقود من الاستبداد والخذلان. لكن ذلك الوعد يُسرق اليوم أمام أعين الجميع، ويُهرَّب خارج ميدان الشرف إلى غرف المؤامرات، حيث يتحالف تجار الحرب مع أدعياء المدنية في مشهد هجين لا يُشبه الثورة ولا يُشبه حتى أعداءها المعروفين.

ما يسمى بـ”تحالف السودان التأسيسي” ليس امتدادًا للثورة، بل هو انحراف خطير عنها. لم يتشكل من رحم الميادين، ولا من نداءات الشوارع، بل من رحم الصفقات والمناورات والانتهازية السياسية. هو ليس واجهة للثورة، بل واجهة لاحتكارها، جدار من دخان يحجب أعين الناس عن السرقة العلنية لمكتسبات التغيير. يتحرك هذا التحالف كما تتحرك الجوقة حول السلطة، بلا مشروع واضح، بلا وعود صادقة، بلا انتماء حقيقي للألم السوداني.

أما مليشيا “تمازج”، فهي الوجه السافر لهذا الانهيار السياسي، نموذج فج لتحويل السلاح إلى بطاقة دعوة في مائدة السلطة، والقتال إلى ورقة ضغط في بازار المفاوضات. أي ثورة تلك التي تفتح أبوابها لمليشيات لم تُطلق رصاصة واحدة ضد الاستبداد، بل احتفظت بعتادها إلى أن لاحت غنيمة الحكم؟ هؤلاء ليسوا شركاء في الثورة، بل طفيليات على جسدها، نماوا في الفراغ، وانقضّوا حين ترنّح الحلم بفعل الخيانة.

تصريحات محمد علي قرشي عن “النهج الإقصائي” الذي تمارسه القوى الأخرى ليست سوى محاولة رخيصة لتغطية الانكشاف الأخلاقي والسياسي لتحالف المليشيات. هل يُقصى من لم يكن أصلًا جزءًا من مشروع التغيير؟ وهل يُهمّش من لم يؤمن يومًا بأهداف الثورة؟ إنهم اليوم يريدون تحويل المظلومية إلى منصة للصعود، والانتهازية إلى حقّ سياسي مشروع، كأن دماء الشهداء لم تُسفك، وكأن الشعب لم يقاوم الطغيان بصدوره العارية.

لقد أصبحت بعض مكونات الساحة السياسية تتعامل مع السودان كغنيمة لا كوطن، ومع الثورة كمزاد مفتوح لا كعهد أخلاقي. وتحالف السودان التأسيسي، بدل أن يكون طوق نجاة، صار هو ذاته جزءًا من الغرق. تحالف يجمع المتناقضات، لا على أساس الرؤية، بل على أساس تقاسم النفوذ. لا على قاعدة مبادئ، بل وفق هندسة دقيقة للمصالح.

الشعب السوداني لم يخرج ليُسلّم بلاده إلى عصابات سياسية بثياب جديدة، ولا إلى حركات مسلحة تبحث عن شرعية عبر تسويات مشبوهة. خرج لينهي عهد التسلط والانتهازية، لكن الانتهازيين اليوم يعودون متخفيين في شعارات الثورة، متكئين على تحالفات هشة وشرعيات زائفة. يريدون تحويل النضال إلى صفقة، وتحويل الجماهير إلى ورقة ضغط، وتحويل الوطن إلى كعكة توزعها الغلبة لا الإرادة الشعبية.

إن الطريق الوحيد لاستعادة الثورة لا يمر عبر هؤلاء، بل عبر إسقاطهم جميعًا. عبر تصحيح المسار بشكل جذري، واستعادة الثورة من أيدي مختطفيها. لا تفاهم مع من تلطّخت يده بخيانة الدم، ولا شراكة مع من يريد اختزال حلم الوطن في كرسي. يجب إعادة بناء المشروع الوطني من جديد، على أساس الشارع لا الفندق، على أساس الشهداء لا المتسلقين، على أساس المبادئ لا الغنائم.

ما يجري الآن هو جريمة بحق السودان. وسكوت الشعب عنها ليس علامة ضعف، بل لحظة تأمل قبل العاصفة. وسيأتي يوم تحاسب فيه هذه الوجوه، لا بصناديق الاقتراع فقط، بل بمحكمة التاريخ، وبكلمة الحق التي سيقولها الشعب حين يتقدّم الصفوف من جديد.

الثورة لا تُباع. الوطن لا يُشترى. والحرية لا تُهدى، بل تُنتزع. والشعب الذي أسقط أعظم الطغاة، لن يعجز عن إسقاط صغار الانتهازيين.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات