الخميس, أبريل 23, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالفاشر.. حيث تُهزم العاصفة وتنتصر الإرادة!

الفاشر.. حيث تُهزم العاصفة وتنتصر الإرادة!

سودان تمورو:

في زمنٍ تتقاطع فيه النيران وتتعانق فيه أصوات المدافع مع صرخات الجوع والخذلان، تظل الفاشر، عاصمة شمال دارفور، رمزًا للصمود في وجه الإبادة البطيئة التي يحاول فرضها الدعم السريع بآلته العسكرية وحصاره الخانق. فما جرى خلال الأيام الماضية لم يكن مجرّد هجوم عابر، بل محاولة منظمة لاجتثاث آخر ما تبقّى من سلطة مركزية في دارفور، وإخضاع مدينة تقف منذ أكثر من عام كقلعة عصيّة على الانكسار.

لقد جاء الهجوم الأخير واسع النطاق، مدعومًا بالمدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة، واندفع من ثلاثة محاور لإسقاط الفاشر، لكنّه اصطدم بجدارٍ من الإرادة صنعته القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح إلى جانب الجيش. لم تكن المعركة متكافئة من حيث العتاد، لكنها كانت عادلة من حيث المعنى، فالمعتدون يحملون مشروع التدمير، والمدافعون يقاتلون من أجل البقاء. وسجّل المدافعون بدمائهم الطاهرة صفحات جديدة من النصر، رغم الثمن الباهظ الذي دفعوه، ورغم فقدان قادة ميدانيين كبار مثل الشهيد مهند إبراهيم فضل “أب سبحة”، الذي تحوّل رحيله إلى أيقونة للتضحية والإقدام.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بمرارة، أن الفاشر لم تنتصر وحدها، ولم تُحاصر وحدها، بل تُركت تواجه قدرها في عزلةٍ دولية وإقليمية صادمة. فما يجري على الأرض لا يقتصر على اشتباكات عسكرية، بل يتعداه إلى حصار إنساني خانق منذ أبريل 2024، حيث أُغلقت طرق الإمداد، وانعدمت المواد الأساسية من غذاء ودواء، وغرقت الأسواق في فراغٍ قاتل لا يملؤه سوى الجوع والخوف. هذا الحصار ليس مجرد إستراتيجية عسكرية، بل جريمة ضد الإنسانية تُرتكب في وضح النهار بينما يكتفي العالم بالفرجة.

إن معارك الفاشر وكردفان ليست سوى فصول من حرب استنزاف تُهدد بتحويل دارفور إلى مقبرة مفتوحة للرجال والأحلام معًا. فالدعم السريع شنّ أكثر من 230 هجومًا على الفاشر وحدها، ومع ذلك لم ينجح في كسر إرادة المدينة، لكنه في المقابل عمّق جراح المدنيين، وأجبر عشرات الآلاف على النزوح من بيوتهم نحو المجهول. هذه الاستراتيجية لا تُسقط مدينة، بل تُسقط المستقبل برمته.

إن القيادة العسكرية والسياسية مطالبة اليوم بأن تفكر أبعد من خطوط النار. فالمعارك تُدار في الميدان، لكن الحرب تُحسم برؤية تُوازن بين الدفاع عن الأرض وصون حياة البشر. الانتصار الحقيقي لن يُقاس بعدد المركبات المدمّرة ولا بعدد الهجمات الصدودة، بل بقدرتنا على إنهاء هذه الحرب قبل أن تلتهم ما تبقّى من السودان.

الفاشر أثبتت أن العاصفة مهما اشتدّت لا تُقهر أمام إرادة الحياة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيبقى هذا الصمود معلّقًا في السماء وحده، أم أنّ النخب السياسية والعسكرية ستلتقط الرسالة وتحوّلها إلى مشروع خلاص وطني شامل؟ فالنصر ليس أن تُهزم المليشيات في معركة، بل أن يُكسر منطق الحرب نفسه، ويُفتح الطريق لسلامٍ يُعيد للوطن روحه وللإنسان كرامته.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات