خاص سودان تمورو
سؤال الكاتب الصحفي الهندي عز الدين ليس مجرد تعليقٍ عابر على بيان الرباعية أو تصريح وزير الخارجية الأمريكي، بل هو تسليط للضوء على تناقض فاضح في سياسات واشنطن. فكيف ترفض الولايات المتحدة، بلهجة قاطعة، أي حل عسكري للنزاع في السودان، بينما تفتح الأبواب مشرعة للحل العسكري في غــزة وتبرره وتدعمه؟ إنه سؤال يكشف العُري الأخلاقي في خطاب القوى العظمى، ويضعها أمام مرآة مكاييلها المتعددة.
نحن نؤيد عز الدين في نقده لهذه الازدواجية المفضوحة، فالأمثلة على ذلك لا تُحصى. واشنطن التي تفرض عقوبات على شخصيات سودانية بحجة عرقلة الحكم المدني، هي ذاتها التي تدعم حكاماً آخرين في المنطقة يغرقون شعوبهم في بحر الديكتاتورية، وتغض الطرف عن قمعهم الوحشي. هي واشنطن نفسها التي تتحدث في بياناتها عن ضرورة “الحل السلمي” في السودان، بينما تُجيز على الملأ آلة عسكرية تمزق غــزة وأهلها وتُحيلها إلى ركام. الحقيقة واضحة: العقوبات والدعم والتحالفات لا تُبنى على المبادئ، بل على حجم ما يخدم مصالحها.
غير أننا نختلف مع الكاتب الهندي في استنتاجه الآخر، الذي يوحي بأن الحل السياسي في السودان ضرب من الوهم. نعم، المشهد معقد والحرب طاحنة، لكن التعقيد نفسه هو ما يجعل الحل السياسي ضرورة لا مفر منها. الأطراف المتصارعة ليست أشباحاً ولا كيانات عصية على الضغط، بل هي قوى لها مصالح يمكن أن تُخضع للتفاوض، وضغوط دولية وإقليمية قادرة على تقليص هوامشها إن وُجدت إرادة حقيقية. ما ينقص السودان ليس إمكانية الحل، بل الإرادة الوطنية الصادقة لفرضه والآلية الرادعة لمحاسبة من يعرقل السلام.
الاستسلام لفكرة أن لا حل سوى الحرب هو هدية مجانية للميليشيات ولأمراء الدم. إنه تكريس لانهيار الدولة السودانية وتفكك نسيجها الاجتماعي، وهو مصير لا يريده شعبها ولا تحتمله المنطقة. لذلك فإن الدعوة إلى الحل السياسي ليست مثالية حالمة، بل واقعية براغماتية تُدرك أن السودان لا يمكن أن يُدار بالسلاح إلى الأبد، وأن طاولة التفاوض هي قدره، مهما طال النزيف.
ازدواجية واشنطن في التعامل مع السودان وغـزة فضيحة أخلاقية وسياسية. لكن مواجهة هذه الازدواجية لا تعني التماهي مع منطق الحرب في السودان، بل تعني مضاعفة الضغط لصناعة إرادة سلام حقيقية، لأن البديل هو حريق شامل لا تُبقي الحرب فيه ولا تذر.
