سودان تمورو
القرار الإسباني الأخير ليس مجرد إعلان دبلوماسي عابر، بل حدث سياسي واقتصادي يضرب في صميم ماكينة الاحتلال: حظر شامل لتصدير واستيراد السلاح، ومنع مرور الوقود العسكري عبر التراب الإسباني. إنه حدث يوقظ أوروبا من غيبوبة طويلة من الحياد الزائف، ويكشف أن كلفة تجاهل القانون الدولي في غزة بدأت ترتفع. لكن السؤال الجوهري: هل يكفي هذا الحدث وحده لقلب السياق الاستراتيجي، أم سيظل مجرد ومضة تخبو وسط عاصفة الدم والحديد؟
هنا تبرز معادلة أعقد من القرار ذاته: معركة “الحدث” و”السياق”. منذ السابع من أكتوبر، لم يعد العالم يتعامل مع وقائع متدرجة بل مع أحداث صادمة قلبت الطاولة. هجوم حماس لم يكن سياقاً بل حدثاً كاسراً للسياق، أجبر إسرائيل على الارتجال. لكن إسرائيل لم تترك هذا الحدث يتحول إلى سياق جديد، بل بادرت إلى صناعة أحداث متلاحقة: اغتيالات، ضربات على سوريا وإيران، حتى محاولات لخلخلة قطر. كل ذلك ليس ردود فعل عشوائية، بل استراتيجية محكمة لخلق سياق بديل يجعلها صاحبة المبادرة، ويجعل خصومها مجرد تابعين لأحداثها.
على الجانب الآخر، تأتي الاعترافات الأوروبية المتزايدة بدولة فلسطين كأحداث إيجابية لكنها معزولة، معرضة لأن تُبتلع داخل سياق الحرب الذي تتحكم إسرائيل بإيقاعه. هنا يكمن الخطر: أن نحتفل بالحدث ولا نسعى لتحويله إلى سياق. فإسرائيل تعرف كيف تُفرغ الحدث من مضمونه بصناعة حدث أكبر وأشد وقعاً، يلهي العالم عن الاعترافات والقرارات ويعيد الجميع إلى مربع الخوف والابتزاز.
من هنا، تبرز المهمة الحقيقية: الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، من الترحيب بالأحداث إلى صناعة سياق بديل. المطلوب ليس شكر إسبانيا فقط، بل تحويل قرارها إلى بداية حملة دولية متصاعدة: مقاطعة شاملة، تفعيل المسارات القانونية في محكمة الجنايات الدولية، فرض عزلة اقتصادية على الاحتلال. المطلوب تراكم أحداث متتابعة تشكّل معاً سياقاً دولياً جديداً، يفرض كلفة سياسية وقانونية وأخلاقية لا تحتملها إسرائيل.
لقد علمتنا التجارب أن النجاة لا تكمن في الاطمئنان للسياق القائم، بل في الجرأة على صناعة الحدث وكسر السياق حين يخدم خصمك. القرار الإسباني نبضة أمل، لكنه لن يصبح تاريخياً إلا إذا كان فاتحة لسلسلة أحداث تُحوّل الاعتراف بفلسطين من حدث عابر إلى سياق دائم، من مبادرة أوروبية إلى مسار دولي لا رجعة فيه. والسؤال: هل نكتفي بالانتظار، أم نمتلك الشجاعة لصناعة الأحداث التي تكتب مستقبلنا بأيدينا؟.
