سودان تمورو
ما زال البعض في حيرة من أمره بسبب تقلب الموقف السعودي من الإخوان من التأييد إلى الرفض ثم العودة مرة أخرى لحضن الوهابية المؤسسة.
رشيد رضا: حلقة الوصل بين الإنجليز والحركات (الإسلامية)
كان الإنجليز وما زالوا متواجدين حتى الآن ومعهم ورثة الاستكبار الأمريكيين في أغلب بقاع العالم الإسلامي وخاصة في القلب منه يخططون وينفذون بواسطة عملائهم وأدواتهم لإعادة رسم خريطة المنطقة ليس فقط على المستوى الجغرافي بل على المستوي الفكري لزرع نماذج وأفكار تخدم خططهم المستقبلية.
كانوا في الجزيرة العربية عبر المستر همفر أولا ثم الكابتن شكسبير الذي (استشهد) في إحدى المعارك جنبا إلى جنب مع آل سعود في سبيل (نصرة عقيدة التوحيد الأنجلو سكسونية) قبل أن يخلفه الحاج سانت جون فيلبي كما كانوا جنبا إلى جنب مع الشريف حسين من خلال لورانس العرب.
لا يمنع هذا من توظيف بعض العملاء من أمثال الشيخ رشيد رضا دفاعا عن التوحيد الأنجلوسكوسوني ولإعطاء المتآمرين غطاء إسلاميا ولسانا عربيا ينطق باسم هؤلاء الشياطين.
كان ولا زال الإنجليز وخلفاؤهم الأمريكان يلعبون الثلاث ورقات أو لعبة التطرف والاعتدال (كده تسليك كده توليع)، ليقنعوا الحمقى والعملاء أنهم ليسوا ضد الدين بل (ضد التطرف العلماني) و(ضد التطرف الإسلامي) وهم مع جماعة المعتدلين من أمثال رشيد رضا وجماعة الإخوان المسلمين الآن.
نحن لسنا ضد الإسلام ولكننا ضد التطرف الإسلامي ودليلنا على ذلك أننا ندعم (المعتدلين) من محمد رشيد رضا وصولا إلى محمد مرسي العياط!!.
وقبل أن ننقل كلمات الحب والغرام التي أطلقها محمد رشيد رضا في مدح سيده الإنجليزي اللورد كرومر ننقل أبياتا لأمير الشعراء أحمد شوقي في حق سفاح دنشواي الذي يجله رشيد رضا (شيخ الوسطية والاعتدال)، الأب الروحي لحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان:
يا دِنشِوايَ عَلى رُبـاكِ سَـلامُ ** ذَهَبَت بِأُنـسِ رُبوعِـكِ الأَيّـامُ
شُهَداءُ حُكمِكِ في البِلادِ تَفَرَّقـوا **هَيهاتَ لِلشَملِ الشَتيـتِ نِظـامُ
مَرَّت عَلَيهِم في اللُحـودِ أَهِلَّـةٌ *** وَمَضى عَلَيهِم في القُيودِ العـامُ
كَيفَ الأَرامِلُ فيكِ بَعدَ رِجالِهـا **** وَبِـأَيِّ حـالٍ أَصبَـحَ الأَيتـامُ
عِشرونَ بَيتاً أَقفَـرَت وَاِنتابَهـا ****بَعدَ البَشاشَـةِ وَحشَـةٌ وَظَـلامُ
يا لَيتَ شِعري في البُروجِ **** حَمائِمٌ أَم في البُـروجِ مَنِيَّـةٌ وَحِمـامُ
نَيرونُ لَو أَدرَكتَ عَهدَ كَرومِـرٍ **** لَعَرَفتَ كَيـفَ تُنَفَّـذُ الأَحكـامُ
إلى آخر القصيدة…
رشيد رضا وسيده كرومرٍ
في كتابه (الشيخ رشيد رضا والخطاب الإسلامي المعتدل) يقول الكاتب/ سمير أبو حمدان: يوم 23 فبراير 1905 التقى اللورد كرومر في مكتبه بالقاهرة موفدا من وزارة الخارجية البريطانية قام بإبلاغه أن بريطانيا بصدد إجراء تعديل جذري على أسلوب التعامل مع القوى المحلية في كل من مصر والسودان. كان المطلوب من كرومر إعداد تقرير مفصل وواف عن الأوضاع السائدة في البلدين يشمل الجوانب السياسية والاجتماعية و(أين بلغت حركة التجديد القائمة في مصر وهل ترك الشيخ محمد عبده أثرا يمكن التعويل عليه؟).
نقول: (معلوم أن الشيخ محمد عبده كان قد رحل عن الدنيا في هذا العام وأن رشيد رضا قد ورث إسم الشيخ ومدرسته)!!.
نواصل النقل: تولى رشيد رضا ترجمة تقرير سيده كرومر ونشره في المنار مستخلصا منه أربعة عِبر تتعلق بنظرة (الإمام كرومر) لحال المسلمين في مصر والسودان والتي أطرى فيها على الشيخ محمد عبده ودعوته الأوروبيين لاحتضان التيار الذي أسسه وعدم إسناد أهل التغريب أو المتفرنجين بمصطلح رشيد رضا.
تعليق من عندنا: لا شك أن أحد أهم أسباب المصائب التي يعاني منها المسلمون هو الموقف الساذج لبعض (العلمانيين) الذين يعتقدون أنهم أولى وأحق بدعم الغرب من تلك الجماعات التي تتخذ موقفا معاديا لقيم الغرب الحداثية (ظاهريا) مثل موقفها من المرأة والحجاب والنقاب ويعتقدون وهما أنهم والغرب في مركب واحد هو مركب (الحضارة والتقدم) وهو موقف نراه الآن بوضوح في أحداث مصر حيث دعم الغرب الإخوان والسلفيين من أجل الوصول للحكم ويتجاهل من يفترض أنهم أصدقاؤه.
الواقع يقول أن الغرب الانتهازي يرى في (الجماعاتيين) كنزا ثمينا يحقق لهم أغراضهم وأهدافهم في السيطرة على العالم خاصة وأنهم يرتدون أقنعة الإسلام ولذا فقد خذلهم وما زال يخذلهم ويهيئ الأرض لحكم الوهابيين (بروتستانت الإسلام) الساعين لتفكيكه وهدمه من الداخل.
ولا عزاء لهؤلاء البؤساء.
نواصل النقل عن اللورد كرومر وتابعه رشيد رضا ليعرف هؤلاء كم هم بؤساء من يومها وحتى لحظة رفع الإخوان لسدة الرئاسة!!.
وينتقل كرومر (حفظه الله) للحديث عن التيار الذي أسس له الأستاذ الإمام محمد عبده فيعتبر أن (الغاية العظمى التي يقصدها رجال هذه الفئة تتمثل في إصلاح حال المسلمين وترشيدهم وإعادتهم للإسلام الحق (؟!)، وجملة القول أن الإصلاح الديني الذي دعا إليه هذا التيار يستند إلى أساس ديني، ويقضي بنبذ بعض العادات والتقاليد والطقوس التي لا تمت للإسلام بصلة وكان عمل هؤلاء على ما يقول كرومر شاقا وعسيرا لأنهم يستهدفون دوما بسهام النقد والطعن وهم يقفون في منطقة وسطى بين تيار سلفي انسلخ نهائيا عن العصر وتيار آخر انسلخ نهائيا عن الإسلام وتقاليده غير أن طعن الطاعنين كان أشد حدة من التيار السلفي إذ أن (طعن التغريبيين أقل تأثيرا إذ أن هؤلاء لا يكاد يسمع لهم صوتا).
ويأمل كرومر أن ينجح التيار الوسطي طريقه للهيئة الاجتماعية المصرية لأنه السبيل القويم لإنجاز إصلاح حقيقي قائم على مبادئ الدين وشروطه ولذل فقد طالب الأوربيين بدعم هذا التيار وأن أتباع الشيخ جديرون بكل ميل وعطف وتنشيط من الأوربيين.
أما الشيخ رشيد رضا فيبادل سيده كرومر الإعجاب والتقريظ حيث يرى أنه (ملم بأحوال المسلمين كما لا يلم بها أي مسلم آخر وأنه علم ما لم يعلمه الرؤساء من علمائهم وأمرائهم فضلا عن أوساطهم ودهمائهم).
كما يشيد رشيد رضا بتأييد اللورد كرومر لما “ذهب إليه الشيخ محمد عبده من أن السياسة والإصلاح على طرفي نقيض ومن توخى تقدما لمجتمعه فلا يستمسك بحبال السياسة وهذا ما فعله السيد أحمد خان في الهند عندما هادن الإنجليز فتركوه يمارس الإصلاح دون أن يزرعوا الأشواك في طريقه ومثله في مصر فعل محمد عبده عندما حسن الظن به وبتياره لدى الإنجليز فباتوا لا يعارضونه فيما يفعل ولا يمنعوننا مما ينفعنا إلا إذا أدخلنا السياسة وقصدنا مضارتهم ومقاومتهم وحينئذ نكون أضر بأنفسنا وأنفع لهم كما هي سنة الله تعالى في كل جاهل ضعيف يقاوم عالما قويا”.
كما يرى الشيخ رشيد أن إطراء الإنجليز على الشيخ محمد عبده جاء لأنهم (رجال جد يجلون من يقول الحق في السر والجهر وأنه لا قيمة لأهل المداهنة والرياء في أنفسهم).
وفي محاولة لتبرئة نفسه وأستاذه من التهمة الناشئة عن دعم الإنجليز لهم ودعوتهم الأوربيين لدعمهم والوقوف معهم مما يضعهم في موضع الظنة يقول (المجاهد) الكبير رشيد رضا: الجواب عن هذا الإشكال لا يفهمه إلا من عرف كنه الفتح والاستعمار الأوربي فليس من الأمور المستهجنة أن يدعم كرومر حركة الإصلاح في مصر طالما أن الكسب هو الهدف الأساس للأوربيين في كل بلد يحتلونه لأن الكسب لا يتحقق بغير العمران فهم وفي كل بلد دخلوه أطلقوا على احتلالهم استعمارا وهذا الاستعمار من (عمران) لا يتحقق في ظل نزاعات مستمرة بين المستعمرين وسكان البلد الأصليين ولهذا بات مطلوبا وكخطوة أولى معرفة كل الفريقين لبعض فمثل هذه المعرفة ستؤدي حكما إلى وفاق متبادل ومصالح مشتركة ومتبادلة ومن هنا فإن الإنكليز وسائر الأوربيين يكرهون أن يقاوموا وينازعوا لأن ذلك يقلل من كسبهم وإن كانوا واثقين بالظفر!!.
وأخشى ما يخشاه الأوربيين هو الفتنة التي تقضي حتما على موارد كسبهم ومن أجل ذلك فقد كانوا على حذر دائم من عوام المسلمين المستعدين للتهييج باسم الدين (ورب هيجة شؤمى) تذهب بما تحقق خلال سنين طويلة ولهذه الأسباب كلها كانت مصلحة الإنجليز تقضي بوجود شريحة مستنيرة من المثقفين والمفكرين المصريين تدعو إلى الإصلاح من غير الطرق السياسية المعهودة و(تعرف العامة بقدر أنفسهم وبنسبتهم إلى الأجانب الذين يعيشون معهم ويزلزلون التعصب الأعمى في نفوسهم حتى لا يغرهم الغارون ويدعوهم إلى أعمال إن أضرت بالأجانب قليلا فهي تضر بهم كثيرا) .
لا أدري متى كتب الجاسوس البريطاني رشيد رضا هذه السطور التي أشاد فيها بسيده كرومر وفضله على الإسلام والمسلمين وهل كانت قبل مجزرة دنشواي أم بعدها (1906) إلا أن ما كتبه يكشف حقيقة ما يجري لحظة كتابة هذا السطور (فبراير 2013) من دعم أوربي لما يسمى بالتيار الوسطي وما يسمى أيضا بتيار الاعتدال وأن الغرب الأنجلوسكسوني لا يفتش في الشوارع عن هؤلاء لأنه يعرفهم ويعرف آباءهم وأجدادهم حيث تولى الناموس الجاسوس الشيخ رشيد رضا تربية هؤلاء وتقديمهم سرا وجهرا للسفارات الأوربية التي كانت وما تزال حاكمة وهي صاحبة الحل والعقد.
لم تتوقف علاقة رشيد رضا وتلميذه محب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح الذي عمل حسن البنا مندوبا لها، بأسياده الإنجليز بعد رحيل (سيده كرومر) حيث يكشف الدكتور محمد عبد الرحمن برج في كتابه (محب الدين الخطيب ودوره في الحركة العربية ط الهيئة المصرية للكتاب 1990) عن حقيقة المهمة التي كلف بها الخطيب ومعلمه في الجاسوسية رشيد رضا والتي تمثلت في حث الزعماء العرب على الانضمام لبريطانيا في حربها ضد العثمانيين، وكما يقول الكتاب: لقد أرسل محمد رشيد رضا مكلفا من الإنجليز صبيه محب الدين الخطيب إلى قادة العرب برسائل تطلب منهم الوقوف إلى جانب بريطانيا وكما يقول المسئول البريطاني بالقاهرة (شيتام) في رسالته لخارجية بلاده: لقد أرسلوا مندوبين يعتمد عليهم واختاروهم بأنفسهم إلى الجزيرة العربية وفلسطين كي يبلغوا الرسالة شفهيا إلى الزعماء العرب في تلك الأقطار ووضعت تحت تصرف قادة الحركة مبالغ ضخمة وزيادة على ذلك بعث المشهورون من عرب مصر رسائل إلى أصدقائهم أصحاب النفوذ في الأقطار المذكورة يحثونهم فيها على بذل أقصى الجهد لإقناعهم بالتخلي عن الأتراك وأن هؤلاء الزعماء في القاهرة لا يتوقعون من بريطانيا أكثر من موقف كريم للحكم الذاتي وتأكيدات للعون الأدبي عندما يحين الوقت لتنفيذ خططهم. وإلحاقا ببرقيته السابقة بعث شيتام بعد ذلك بيومين (28 أكتوبر 1914) يقول فيها أن زعماء القومية العربية بعثوا بمندوبيهم للجهات منهم محب الدين الخطيب وعبد العزيز العتيقي فيجب إخطار حكومة الهند بذلك رجاء تسهيل مهمتهم في بومباي والكويت، يتصلان بالمقيم البريطاني ويعملان سويا معه. 104-105 الكتاب المذكور.
وفي الوثائق الموجودة في بيت الجاسوس محب الدين الخطيب وجدت بطاقة اعتماد من الجمعية (فرع المخابرات البرطانية) مكتوب فيها: حامل هذه الرقعة الأخ محب الدين الخطيب معتمد من جمعية الجامعة العربية في العراق وشرقي الجزيرة العربية للدعوة إلى مقاصدها وإبلاغ دعوتها لأهلها والمستعدين لها والتوقيع الإسم الرمزي لرشيد رضا (الناموس).
رشيد رضا حلقة الوصل بين الإخوان الوهابية والإخوان المسلمين
كان من الطبيعي أن تحاول السعودية البحث عن أنصار لها في مصر يبشرون بمذهبها ويدافعون عن طموحاتها السياسية.
كان رشيد رضا من أبرز الذين بشروا بالوهابية في مصر ودافعوا عن النظام السعودي في الفترة بين 1925-1935 ومن ثم كان حلقة الوصل بين إخوان الوهابية والإخوان المسلمين.
توفي رشيد رضا عام 1935 عن سبعين عاما وكان له دور مؤثر في الحركة الدينية عن طريق مجلة المنار ومدرسة الدعوة والإرشاد وقد انطلق إلى معترك السياسة ارتبط خلاله بالنظام السعودي.
انتمى رشيد رضا للتيار السلفي اعتمادا على المرجعية الحنبلية وابن تيميه وابن القيم وابن عبد الوهاب.
تبدل ولاء الرجل ما بين الخلافة العثمانية ثم حركة الشريف حسين في مكة ولما سقطت الخلافة العثمانية سنة 1924 على يد أتاتورك وما تلا ذلك من سقوط الهاشميين في الحجاز على يد السعوديين 1925 بدل ولاءه للدولة السعودية الوهابية.
شهدت العلاقات المصرية السعودية فيما بين 1925/ 1936 فترة من الصراع الحاد بعد أن رفضت القاهرة أن تسلم للسعوديين بحق السيطرة على الأماكن المقدسة في الحجاز وكان الصراع حادا بين الملك فؤاد والملك عبد العزيز على منصب خليفة المسلمين كما احتدم الصراع الديني بين الوهابية والنموذج الإسلامي المصري القائم على السماحة.
لقد نجحت السعودية في توظيف رشيد رضا لخدمة أهدافها حيث استطاع رشيد رضا تأسيس مدرسة الدعوة والإرشاد رسميا في جزيرة الروضة بالقاهرة سنة 1912 من أجل نشر الوهابية التي كان يسميها عقيدة التوحيد حيث تخرج فيها على يديه عدد من انصار الوهابية مثل الشيخ يوسف ياسين.
كما كرس الشيخ رشيد رضا مجلة المنار للتبشير بالوهابية فضلا عما سطره من كتب نصرة لها ومهاجمة لخصومها مثل كتابه عن (السنة والشيعة) أو (الوهابية والرافضة).
كما هاجم رشيد المذاهب الإسلامية المختلفة مثل المذهب الشيعي والتصوف وندد بالتوسل بالأولياء مؤكدا أن ابن سعود وحده هو الذي نجح في إقامة حكم إسلامي لم يسبق له نظير بعد الخلفاء الراشدين.
كما تولى مهمة شرح مبادئ الوهابية وأفاض في الحديث عن محمد بن عبد الوهاب وأحمد بن حنبل وابن تيميه وابن القيم.
كما تولت مطبعة المنار طباعة مؤلفات الوهابيين ومنها كتب الماشر إليهم آنفا.
الدعم المالي السعودي
كان رشيد رضا يتلقى نظير ذلك دعما ماليا من السعودية حيث يقول في رسالته إلى ألمير شكيب أرسلان إنه قد (تلقى حوالة مالية من وكيل مالية الحجاز بمقدار 716 جنيه باقي المستحق له عن طبع الجزء السابع من كتاب المغني وأنه بصدد طبع الجزئين الثامن والتاسع ولكن تعوزه الأموال ولذا فقد كتب إلى الملك عبد العزيز وولده فيصل فاستاء كل منهما من تأخير المالية صرف مستحقاته وأمرا بإرسال جميع المستحق له كما أمر بطبع ألفي نسخة من كتاب الآداب ومجموعة رسائل المرسلين).
وقد شجعه هذا الدعم المالي الذي كان يتلقاه من السلطات السعودية على أن ينتقل بحياته إلى مستوى معيشي أرقى ووضع طبقي أعلى على الرغم من أن عائد اشتراكات مجلة المنار وقيمة المباع من كتبه كانت لا تفي بأجر المطبعة وحدها ولذلك فهو يعترف في رسالته للأمير شكيب بأن (الدعم الذي كان يتلقاه نظير المطبوعات كان ربحه عظيما وأن ذلك جرأه على شراء دار فخمة تكون مستقرا له ولأولاده كان قسطها السنوي زهاء (400) جنيه على مدة 6 سنوات).
وقد أوقعه هذا الإسراف والبذخ في أزمة مالية فركبته الديون واشتدت أزمته المالية حتى أنه أصبح وفقا لما جاء في رسالته للأمير شكيب أرسلان (يستجدي المساعدة من السلطات السعودية لسداد ديونه التي زادت على ألف جنيه وأنه طلب من الحجاز مائتي جنيه سلفة).
رشيد رضا وجماعة الإخوان المسلمين
على أن أخطر ما قام به رشيد رضا أنه كان حلقة الوصل بين الإخوان والوهابية في السعودية والإخوان المسلمين في مصر فجماعة الإخوان الوهابية التي نشأت في السعودية سنة 1912 انتقلت مؤثراتها السياسية وأفكارها الدينية إلى مصر عن طريق رشيد رضا الذي تتلمذ حسن البنا على يديه وارتبط بفكره السلفي وبمدرسة الدعوة ومجلة المنار .
ويعترف حسن البنا في مذكرات الدعوة والداعية بتأثير الشيخ رشيد رضا عليه وأنه كان دائم الحضور في مجالسه وأنه تأثر تأثرا كبيرا بما كانت تنشره المجلة وأن جماعة الإخوان المسلمين خرجت من عباءة رشيد رضا وحركته السياسية قد قادته وجماعته من الإخوان للارتباط بشكل أو بآخر بالمذهب الوهابي والنظام السعودي .
الأفكار
كانت هذا عن الأدوات أما عن الأفكار فلنرجع إلى التطابق أو الاقتباس الحرفي الذي قام به حسن البنا في أصوله العشرين وما دونه محمد بن عبد الوهاب في كتابه (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) الوهابي.
يقول حسن البنا: الأصل الرابع :
والتمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب، وكل ما كان من هذا الباب، منكر تجب محاربته، إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة .
أما صاحب التوحيد الوهابي فيقول: باب ما جاء في الرقي والتمائم
في (الصحيح) عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت. وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك) [رواه أحمد وأبو داود]. وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: (من تعلق شيئاً وكل إليه). [رواه أحمد والترمذي].
الأولى: تفسير الرقي والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاثة كلها من الشرك من غير استثناء.
يقول حسن البنا في أصله الرابع عشر :
وزيارة القبور أياً كانت سنة مشروعة، بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بالمقبورين، أياً كانوا، ونداءهم لذلك، وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم، وتشييد القبور، وسترها، وإضاءتها، والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات، كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سداً للذريعة .
أما محمد بن عبد الوهاب فيقول في التوحيد: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله روى مالك في (الموطأ): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: (أفرءيتم اللات والعزى) قال: كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج. [رواه أهل السنن].
فيه مسائل: الأولى: تفسير الأوثان… الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الفارق بين الوهابية في صورتها النجدية والوهابية بعد تمصيرها على يد حسن البنا أن ابن عبد الوهاب لم يكن ليمانع في (طس) كلمة كافر أو مشرك أو وثني بصورة متواصلة أما حسن البنا المعتدل فيستخدم أوصافا تكفيرية مخففة (بدع.. كبائر) قبل أن يوصي (رضي الله عنه) بشن الحروب عليها وهكذا يكون الاعتدال والوسطية وإلا فلا.
ليس هنا مجال الرد التفصيلي على هذه الترهات الوهابية خاصة وقد قمنا بهذا في كتاب (نقض الوهابية) وقام قبلنا كثير من علماء الأمة بالرد على تلك الفرقة التكفيرية وتفنيد خزعبلاتهم.
الأفكار التي أوردها (محمد بن عبد الوهاب) في كتيب (التوحيد) لا تعدو كونها اقتباسا وتلخيصا حرفيا لكتاب ابن تيميه (اقتضاء الصراط المستقيم)، أما الأدهى والأمر أن هذه الأفكار التيمويه لا تعدو كونها أسلمة للأفكار الصهيونية التي أوردها الكاهن اليهودي موسى ابن ميمون في كتابه (دلالة الحائرين) وقبل ذلك لم يكن لها وجود ولا أثر في كتب العقائد الإسلامية سنية كانت أم شيعية!!.
كما أن هذه الأفكار التيميويه ظلت حبيسة كتب ابن التيميه ولم يجر تعميمها إلا مع ظهور الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر ببركة الدعم الأنجلوسكسوني ولم يكن أحد من المسلمين يجرؤ على الجهر بها أو تبنيها حتى جاء الإنجليز ورفعوا عنها الغطاء. (انظر بحث التوحيد اليهودي الوهابي في كتابنا نقض الوهابية).
المهم أن (سادتنا) الأنجلوسكسون قد منحونا حركة (إصلاح بروتستانتي) تعمل بكل ما أوتيت من قوة على هدم المرجعيات العلمية أزهرا كان أم نجفا.
وهنا لا بأس من مناقشة ما يدعيه البعض من أن الاختراق الوهابي للجماعة الإخوانية حدث بعد ذهابهم للعمل في المملكة الوهابية، وهو كلام يتجاهل حقيقة أن حسن البنا في بداية سعيه لتكوين الجماعة كان يسعى لضم كل من يرغب في الانضمام إليه والكثير من هؤلاء جاء من خلفية الثقافة المصرية التقليدية التي كانت إلى عهد قريب تزدري الوهابية أي أنهم جاءوا ومعهم ثقافتهم وكان مطلوبا أن تظهر البصمات الوهابية الحقيقية في الأجيال الإخوانية الجديدة التي تلقت ثقافتها (إن جاز وصف أفكار الإخوان بالثقافة) من منابعها التي تكرست وهابيتها (المصرية المعدلة) بعد جيل أو جيلين.
27/02/2015
