سودان تمورو:
ما يحدثُ في السودان اليوم، مأساةٌ إنسانيَّةٌ تُبكِي الحجرَ قبل البشرِ، مشهد يُوجع القلبَ، ويثير الأسئلة: كيف لهذا الجنون أنْ يستمر؟ ومن أجل ماذا يُقتلُ النَّاس ويُهجَّر الأبرياءُ؟.
في النهاية، القاتلُ والقتيلُ والمُصابُ والمُشرَّدُ جميعهم سودانيُّون، جميعهم أبناء وطنٍ واحدٍ، تُمزِّقه الطُّموحات الضيِّقة، وتُغذِّيه أوهامُ السَّيطرة والانتصار. أيُّ نصرٍ يُشيَّد على أنقاض المُدن وصرخاتِ الأُمَّهات؟ وأيُّ مستقبل يُبنَى على جثث الأبرياء؟.
مَن يُراهنُ على أنَّ الحرب ستُحقق آماله؛ يعيش وهمًا كبيرًا. السودان بلدٌ واسعٌ، متنوِّعُ الأعراق والثَّقافات والمناطق، ولا يمكن لأيِّ فصيلٍ أنْ يكون الدَّولة، أو أنْ يحتكرَ تمثيل الشَّعب. الوطنُ يُختزل في القدرة على التَّعايش، في التَّسامح، وفي مدِّ الأيدي للسَّلام.
«حميدتي» تحديدًا، يتحمَّل العبءَ الأكبرَ من هذا الخراب، فالقوَّة التي كانت يومًا ذراعًا عسكريَّة، تحوَّلت إلى آلة دمارٍ تُمزِّق البلاد. عليه أنْ يتوقَّف، أنْ يُراجع نفسه، وأنْ يُطلق مبادرة سلام، تحفظُ أرواحَ الأبرياء؛ الذين سقطُوا في حربٍ لا ناقةَ لهم فيها ولا جمل. السَّلام هو الذي يفتحُ أبواب الازدهار، أمَّا الحربُ فهي طريقٌ إلى الهاويةِ، فيها القتيلُ لا يعرفُ لماذا يُقتَل، والجنديُّ لا يدرِي لمَن يُقاتلُ.
مقاطع الفيديو القادمةِ من الفاشرِ تكشفُ عن حجم المأساة، عن جرائم حرب تُرتكَب في وضح النَّهار، تُصوِّر وتُنشر دون وازعٍ أو رادعٍ. مشاهد لنْ يقدر «حميدتي»، ولا الدَّعم السَّريع على حمل عبئها الأخلاقيِّ والسياسيِّ طويلًا. ومع ذلك، لا تزال هناك فرصةٌ ولو ضئيلةً؛ لأنْ يعود الجميعُ إلى رشدهم، وأنْ يُقدِّموا مصلحة السودان على غرائز القوَّة وحسابات النُّفوذ. فما أحوج هذا البلد اليوم إلى لحظةِ صدقٍ، إلى ضميرٍ يستيقظُ، وإلى رجالٍ يختارُونَ أنْ يُنقذُوا وطنَهم فوق الرُّكامِ.
