خاص سودان تمورو
في تصريح نادر يجمع بين مرارة الاعتراف وحسم الرؤية، أعلن وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم أن “السودانيين لن يجدوا وطنًا حال انتظارهم المجتمع الدولي لحل قضاياهم”، مُقِرًّا بحدوث تراخٍ في الفترة الماضية “. كلمات الوزير لم تكن مجرد توصيفٍ لحالةٍ، بل كانت صفعةً على وجه الوهم، وإعلانًا لبداية مرحلة جديدة من الاعتماد على الذات في معركة الوجود الوطني.
لقد وضع سالم إصبعه على الجرح العميق: غياب الإرادة الوطنية التي ظلت تترقب خلاصًا يأتي من الخارج. فالعالم، كما يعلم كل دارس للعلاقات الدولية، لا يتحرك بدوافع إنسانية، بل وفق معادلة باردة من المصالح. الأمم الكبرى لا تبكي على أنقاضنا، بل تبحث في ركامنا عمّا يخدم مصالحها. إن استجداء عطف العالم ليس فقط عبثًا، بل إهانة لكرامتنا الوطنية، إذ لا خلاص يُمنح، بل يُنتزع بإرادة أبنائه.
من هنا، تبدو دعوة الوزير بمثابة نداء نهضة داخلية؛ نداء لإعادة بناء الثقة في الذات السودانية. فالحلول الحقيقية لأزماتنا لن تأتي إلا من داخل حدودنا، من حوار وطني صادق، ومن توافق تتقدمه المصلحة العليا للوطن. أما التعويل على مبادرات خارجية كـ”الرباعية” وغيرها، فهو أشبه بتناول مسكنٍ لألمٍ مزمن: يوقف النزيف مؤقتًا لكنه يترك الجرح ينزف في العمق، حتى يتحول الوطن إلى كيانٍ هشٍّ يتداعى عند أول أزمة، كما هو حال لبنان الذي ما زال يعاني آثار اتفاق الطائف الذي أوقف الحرب، لكنه قيد الدولة بقيود التبعية والضعف.
إن المرحلة الراهنة تتطلب من كل القوى السياسية، مدنيةً كانت أو عسكرية، أن تتجاوز أنانيتها، وأن تضع دماء الأبرياء فوق حسابات السلطة. لا وطن يمكن أن يقوم على أشلاء أبنائه، ولا حكم يكتسب شرعيةً على أنقاض الكرامة الوطنية. من المعيب أن تُعرقل الأحزاب مسار التفاوض لمجرد أن مصالحها الخاصة غير مضمونة؛ فالوطن أولى من الحكم، والسيادة أسمى من المقعد.
اليوم السودان يقف على مفترق طرقٍ حاسم: إما أن يختار طريق الإرادة الوطنية الحرة، فيصنع حله بيديه ويكتب مستقبله بسيادته، أو يظل أسيرًا لانتظارٍ عقيم لرحمةٍ دولية لا تأتي. فالمعركة التي “بدأت الآن” ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعيٍ وهويةٍ وكرامةٍ، معركة خلاصٍ من وهم الوصاية، وبداية عهدٍ جديد تُصنع فيه الدبلوماسية السودانية على مبدأ المصلحة الوطنية لا التبعية.
إن كلمات الوزير سالم ليست مجرد تصريحٍ سياسي، بل هي نداء بعثٍ لروح السيادة. إنها تذكير بأن الأوطان لا تُبنى بالبيانات ولا بالعواطف، بل بالإرادة والوعي والقدرة على الفعل. فإذا كان قدر هذه الأمة أن تمر بالمحن، فإن واجبها أن تخرج منها أصلب وأشد تصميمًا على البقاء.
فإما أن نعتصم بحبل سيادتنا فننجو، وإما أن ننتظر المنقذين فلا نجد إلا وطناً ضائعاً وكرامةً منكسرة. والاختيار، في النهاية، بيد السودانيين وحدهم.
