هو المقياس والدليل والمرجعية
* – يُراد لنا أن “نعتاد” على أخبار الجرائم الفظيعة التي يرتكبها الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية لكي نتراخى عن الحديث عنها وعن التذكير بها، برغم ما يثيره الحديث في النفس من مهانة الإحساس بالعجز عن القيام بغير الكلمات ومرارة الشعور بالضآلة أمام صمود شعب الجبارين.
لكن مواصلة التذكير بالمأساة يظل فرضا على كل من يحمل ذرة إيمان بلُطفِ المولى عز وجل، ويكاد الفرار منه، بحكم الضعف البشري، يكون نوعا من الكفر بقدرة ربّ العزة.
ولعلي أضيف أن التناسي لا يدعم فقط رواد الدياثة وأبطال الخنوثة ودعاة الخذلان، بل يجعلنا جزءا منهم.
***************
* – برغم فظاعة الأهوال التي عاشتها غزة فمن حقي أن أقول إن ما تعرفه “جنين” هو أشدّ هولا وأكثر خطرا وأسوأ نتائجا، وهو يعطي العدوّ الصهيوني الفرصة لتدمير التعاطف الدولي مع القضية الفلسطينية، التي أنقذها طوفان الأقصى من سلة المهملات التاريخية ليرفعها إلى صدارة الأحداث الدولية.
وأسترجع بكل مرارة كلمات الزميل د.محمد أبو بكر وهو يقول: “الاحتلال وجد ضالته في أجهزة أمن فتح والسلطة، فهذه الأجهزة تمارس “رجولتها” !! بحقّ الأهل بصورة تبعث على الإعجاب والتقدير!! من قبل نتنياهو وزبانيته، لا، بل إن تصرفاتها أصبحت مفاجئة للكيان الغاصب، الذي يبدي ارتياحا كبيرا لما تقوم به، وهذه الأجهزة تخوض منافسة قويّة مع جيش الاحتلال، كي تثبت له بأنّها قادرة على مواجهة رجال المقاومة والحدّ من خطورتهم على كيان العدو”.
ولا أملك إلا أن أقول للسلطة الفلسطينية بأنها، بما تقوم به، تُشوّ الجهاد التاريخي الفلسطين، وستجعل العالم أقلَّ تنديدا بالفظائع الإسرائيلية التي فاقت ما نُسِب للنازية، وأكثر احتقارا لكل ما هو عربي، وأبعدَ عن التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما سيسجله التاريخ كإهانة مقصودة ومتعمدة من السُلطة للأجيال متواصلة من الشهداء.
وعنوان الحديث مُوجّهٌ للقيادة الفلسطينية قبل غيرها.
اتقوا الله واستقيموا أو …استقيلوا.
*****************
* – تابعت بكل اهتمامٍ عديد التعليقات التي تناولت الحديثين السابقين، وما زلت أقول إنها تكاد تكون صورة بالألوان الطبيعية لمجمل قراء الساحة العربية، وأجد نفسي مضطرا للتوقف مرة أخرى عند بعضها، استكمالا للحديث.
فالبعض لم يعجبه استعمالي لتعبير “التسونامي” في تناول عملية سقوط النظام، في حين أنني اكتفيت بالتساؤل عن كيف نُفسّر “التسونامي” الذي عرفه الشام، وبغض النظر، مرحليا، عن “التحالفات” التي فتحت الطريق أمامه أو سهّلت حدوثه، وللكلمة معناها التي تدل على عنصري المفاجأة وقوة التأثير.
ولم يكن سرّا لمن تابعوا الأحداث أن العملية التي أدت إلى فرار بشار الأسد لم تكن عملية عفوية تم الإعداد لها في أقل من أسبوعين من قبل هواةٍ لا خبرة لهم بالتحركات العسكرية، بل إن ما شاهدناه أكّد أنها عملية تم التخطيط لها قبل الأسبوع الأول من آخر شهور السنة، وبدليل بسيط تشير له كمية الأعلام الهائلة ذات النجمات الحمراء الثلاث التي عرفتها الساحات، والتي كان من بينها أعلام بطولٍ يتجاوز مئات الأمتار، وهو ما كان إعداده يتطلب وقتا ليس بالقليل.
وكان واضحا أن اختفاء الجيش السوري من كل ساحات المواجهة لم يكن أمرا مفاجئا بدون تخطيط مُسبق، وأشرت له بتعبير “التحالفات التي فتحت الطريق”، معترفا بأنني لا أملك كل المعطيات.
لكنني، وحتى إشعار آخر، لا أستطيع أن أصدق بعض من ادعوا بوجود عشرات الآلاف من غير السوريين في “التسونامي” الذي كان الأول من نوعه بعد غزو العراق، مع اختلاف نوعية العناصر الفاعلة والمتفاعلة.
ولن أطيل، بل أكتفي، كمواطن شارك الشعب السوريّ فرحته بزوال حُكمِ “الوحش”، بتحذير القيادة السورية الجديدة مرة أخرى من محاولة كسب أعداء الأمس بالتفريط في تحالفات الأمس وتناسي أصدقاء الأمس (والكلمات الأخيرة في هذه الفقرة أرشدني لها أستاذنا فؤاد البطاينة في تعليقه بالأمس).
ولا أملك إلا التوقف عند كلمات الزميل العراقي الأستاذ أدهم إبراهيم الذي قال: “التجربة العراقية تمثل درسا بليغا للنظام السوري الجديد.
فبعد إعادة بناء النظام السياسي في العراق عام 2003 لم يتم بناء دولة رصينة، فأدت الطريقة السيئة للتعامل مع هذا الانتقال إلى عدم استقرار طويل الأجل، مازال العراق يعاني منه إلى يومنا الحاضر.
ومن بين الأخطاء المرتكبة إبعاد كافة العناصر العاملة في إدارة الدولة عن طريق اجتثاث البعث، حيث لم يتم استهداف المسؤولين رفيعي المستوى فحسب، بل أثرت أيضًا على المعلمين والمهندسين والأطباء والعسكريين وغيرهم من المهنيين الضروريين للحكم والخدمات العامة.
وكانت النتيجة تفكيك مؤسسات الدولة وتهميش قطاعات كبيرة من المواطنين”.
*********************
* – مع الإقرار بصعوبة التحديات التي تفرض أسبقيات معينة وتصريحات معينة من القيادات، كل القيادات، فإن هناك نقطة جوهرية لا يمكن تجاهلها، وهي الموقف من القضية الفلسطينية.
والأمر يتطلب الحكمة وبعد النظر والحرص على التوازن في التعامل مع الجوار المعنيّ بحماية الوجود الفلسطيني وبمواجهة التعنت الإسرائيلي.
وأنا أتفهم التعقيدات التي تواجه من يتعامل مع الالتزامات الدولية في مرحلة يمكن أن أسميها مرحلة النقاهة السياسية، لكن الكلمة هي، كما يقول المثل الجزائري، طلقة رصاص تخرج من فوهة السلاح ولا يمكن أن تكون كأن لم تكن.
ولن أمل من استرجاع كلمات الرئيس هواري بو مدين من أن القضية الفلسطينية هي الإسمنت، لكنها قد تصبح المُفجّر.
****************
* – بدون أي افتعالٍ لدور المدرس أو انتحال لمهمة المُرشد أقول بكل تواضع: لقد طالبت أكثر من مرة بموقف نقد ذاتي نقوم به جميعا، وأقول اليوم إن هذا ينطبق بالدرجة الأولى على كل من يرفع لواء المعارضة العربية، وعلى اليسار والتيار الإسلامي في المقدمة.
ولعلي أذكر بأن مما يدعم النظم الاستبدادية شعور المواطن بأن المعارضة هي أسوأ من السلطة، وتصبح القاعدة: “إللي تعرفو أحسن من اللي ما تعرفوش”.
******************
* – قال “النتن ياهو”: “تقود إسرائيل العالم في محاربة قوى الشر والطغيان.
وأقول: يكفي رجال طوفان الأقصى فخرا أنهم أثبتوا للعالم أجمع أن هذا الرجل ليس مجرما فقط بل هو معتوه وكذاب أشِرْ.
******************
* – أضم صوتي إلى ما قاله الزميل “إلياس فاخوري” وهو يُخاطب أهل اليمن بما نسبه لديانا فاخوري، متّكئةً، كما قال، على الصحابي الجليل عبد الله بن العباس حين قال: “يا اهل اليمن يكفيكم أن لكم من السماء نجمها (سهيل اليماني)، ومن الكعبة ركنها (الركن اليماني)، ومن السيوف صمصامها (يعني صمصامة عمرو بن معدي كرب الزبيدي، فارس العرب في الجاهلية والإسلام والذي وصف بأنه رجل بألف رجل)”.
وأتذكر أن من اللافتات التي رُفِعت في الجزائر خلال زيارة رئيس يمني: مرحبا بأحفاد أجدادنا.
وأقول إن ما يجازف به أحرار اليمن هو رجولة تصفع أشباه الرجال.
كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق
