خاص سودان تمورو
في لحظة فارقة من تاريخ السودان الملطّخ بدماء أبنائه، خرج رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان معلناً التعبئة العامة، داعياً كل قادر على حمل السلاح إلى التقدم والمشاركة في المعركة، ومؤكداً تصميمه على استمرار القتال حتى القضاء على قوات الدعم السريع بلا تفاوض ولا هدنة. هذا الخطاب العسكري المكثّف بدا كجرس إنذار يفتح مرحلة جديدة أكثر خطورة، تكشف عمق المأزق الذي وصلت إليه الدولة السودانية، وتثير أسئلة ثقيلة تتجاوز الشعارات والحماس إلى جوهر الأزمة نفسها.. ماذا بعد؟ وما هي الخطة التي يستند إليها هذا الاندفاع نحو التعبئة الشاملة؟
لقد ظن كثيرون منذ بداية الحرب أن الجيش يمتلك خطة حاسمة وسريعة لإنهاء الحرب. غير أن مجريات الميدان أثبتت أن الحسم السريع لم يكن سوى وهم، وأن الحسابات العسكرية لم تكن دقيقة، وأن ما يُطرح اليوم بديلاً هو المزيد من التجييش الشعبي وإطالة أمد المعركة، لا استراتيجية واضحة تنهي الحرب وتعيد للدولة توازنها. ومن هنا يبرز السؤال المشروع الذي يتردد في كل بيت سوداني.. هل التعبئة العامة تعبير عن قوة أم اعتراف ضمني بأن أدوات الحسم العسكرية التقليدية لم تعد كافية؟
الأخطر في الخطاب الأخير هو الإيحاء بأن نهاية الحرب ستكون في دارفور، وكأن الإقليم قد تحول مرة أخرى إلى ساحة تُرحَّل إليها المواجهات الكبرى، بينما يعيش أهله اليوم واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخهم الحديث، خاصة في الفاشر وما حولها. هذه الإشارة تحمل رسالة مزدوجة؛ فهي تطمئن مناطق الوسط والشمال والشرق بأن المعركة ستبتعد جغرافياً عنهم، لكنها في الوقت نفسه تُلقي بظلال ثقيلة على مواطني دارفور الذين يشعرون بأن أرضهم تُدفع دائماً لتكون مسرحاً للحروب الكبرى وصندوقاً لتصفية الحسابات.
إن الجميع في السودان، وبلا استثناء، يرفض عودة الدعم السريع إلى وضعية ما قبل 15 أبريل 2023؛ ذلك الوضع الذي كان يمثل خطراً على الدولة ويعطل أي انتقال سياسي. لكن رفض الماضي لا يبرر تسليم الحاضر للحرب بلا سقف أو خطة بديلة. إن الاستمرار في الحرب بوضعها الحالي لا يهدد بتأخير تشكيل حكومة فحسب، بل يهدد بغياب الدولة ذاتها، وبانهيار مؤسساتها المتبقية، وبتآكل نسيجها الاجتماعي والقبلي في شكل قد يصعب ترميمه لعقود.
لقد آن للقيادة العسكرية والسياسية أن تتعامل مع الواقع بمنطق “ما لا يُدرَك كلّه لا يُترَك جلّه”. فلا أحد يطالب بالاستسلام، ولا أحد يقلل من خطورة المشروع الذي يطرحه الدعم السريع، لكن من الضروري أن يكون قرار الحرب مقترناً برؤية سياسية واضحة، وخطة خروج واقعية، ومسار يمنع انزلاق البلاد إلى فوضى ميليشياوية شاملة يعجز الجيش نفسه لاحقاً عن ضبطها. فالدول لا تُدار بخطابات القوة وحدها، بل بإستراتيجيات تُحافظ على أمنها حتى أثناء الحرب، وتحمي مجتمعها من الانقسام والتشظي.
إن إعلان التعبئة العامة بهذه الصيغة يضع السودان أمام مفترق طرق خطير: إما أن يكون خطوة محسوبة ضمن خطة محكمة لإنهاء الصراع، وإما—وهو الاحتمال الأكثر إثارة للقلق—أن يكون انزلاقاً نحو حرب طويلة بلا أفق، تُستنزَف فيها البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتتحول إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال التفكك والتدخلات.
يبقى السودان اليوم بحاجة إلى قيادة تسمع ما يقوله المواطنون لا ما يقوله الرصاص؛ قيادة تُدرك أن القوة لا تكون في استدعاء الشعب إلى ساحات القتال، بل في الحفاظ على حياته وكرامته والدفاع عن مستقبل دولته. ما يزال بالإمكان إنقاذ ما تبقى، لكن الطريق نحو ذلك يبدأ بوضوح الرؤية، وبقرارات لا تُبنى على الغضب ولا على الشعارات، بل على حسابات دقيقة تحفظ للدولة مقامها وتعيد للمواطن حقه في الحياة.
اللهم احفظ السودان وأهله، وامنح قادته بصيرة تعصم الوطن من طريق اللاعودة.
