سودان تمورو
من المعروف ان لاوروبا ماض قبيح جدا ؛ وتاريخها الاستعمارى الظالم يشهد بقبح سيرتها ؛ وقد رأينا كيف مارست ابشع انواع الظلم بحق الشعوب المستعمرة فى افريقيا واسيا .
ان رفض اوروبا اليوم انصاف افريقيا والقول بانها تعرضت للظلم والاعتراف بهذا الامر والاعتذار عنه يجعل اوروبا اليوم ظالمة مستبدة .
ونتحدث عن فرنسا كاحد ابرز النماذج القبيحة فى التاريخ الاوربى السيئ ؛ فقد مارست ابشع انوع الظلم ؛ ولاقت الشعوب – وبالذات الافريقية – ما لايمكن تصوره ؛ ومن المهم ان تتعرف الاجيال الحالية على الظلم الذى مارسته فرنسا وعموم الاوربيين بحق الشعوب المغلوبة على امرها .
الجزائريون نشطوا مؤخرا فى تسليط الضوء على المظالم التى تعرض لها اسلافهم من الاستعمار الفرنسى المتوحش الظالم ؛ وطالبوا بضرورة ان تعترف فرنسا الحالية ابتداء بتاريخها القبيح وتعتذر عنه حتى يتم البحث فى كيفية التعويض عن ماجرى وامكانية ذلك ؛ ولو من باب حفظ الحق المعنوى ؛ اذ ان اعتراف فرنسا بخطئها فى حق الجزائريين وعموم من استعمرتهم والاعتذار عن ذلك خطوة مهمة واساسية فى قيام علاقات محترمة الان ؛ لكن اصرار الفرنسيين على رفض الاقرار بما مارسه اسلافهم وبالتالى عدم الاعتذار عن هذا القبح يبين كيف ان العقلية الاستعمارية المتسلطة المتكبرة مازالت تسيطر على فرنسا اليوم ؛ وانها تنظر – بكل اسف – الى الافارقة بدونية ؛ ولاتراهم يستحقون مجرد الاعتراف بالخطأ فى حقهم والاعتذار لهم ناهيك عن التعويض.
ان رفض فرنسا لمجرد فكرة تجريمها – والتى يصر عليها الجزائريون – تعتبر نوعا من الاستمرار فى انتهاج الظلم ؛ وهؤلاء المستنكفون عن الاعتذار انما يعبرون عن نفسية سيئة غير جديرة بالاحترام وبناء علاقة محترمة معهم .
ونستغرب كيف تريد فرنسا من الشعوب الافريقية التى وقع عليها هذا الظلم الكبير ان تنسى الفظاعات التى لايمكن تحملها ؛ ويمثل مجرد ذكرها مأساة لن يطفيها حتى هذا الاعتذار الذى ترفضه فرنسا رغم انه لا يساوى شيئا امام حجم هذه المصائب ومستواها.
ويقول الجزائريون ان القارة الإفريقية تحتفظ بمحنتهم المريرة كنموذج نادر قل مثيله في التاريخ ماهية وطبيعة وممارسة ؛ اذ اراد المستعمر ضم وطن غيره لوطنه الأم غزوا وعدوانا وإحلال شعب له على مذبح شعب آخر، وأراد محو أمة بأكملها من الوجود بمكوناتها وأنظمتها ومؤسساتها وهويتها وثقافتها ودينها بل وحتى لغتها.
لقد كان هذا المشروع الاستعماري أطول وأعنف مشروع استعماري استيطاني في التاريخ الحديث ؛ و شهد كل شبر من الاراضى الجزائرية على فظاعة وقسوة وجبروت المستعمر الفرنسي، بدءا بمرحلة الغزو التي امتدت لأكثر من سبعة عقود، ومرورا بمرحلة المقاومات الشعبية المنظمة، وصولا إلى ثورة التحرير التي دامت سبع سنوات ونصف، وهي الثورة التي قدمت عبرها الجزائر خيرة أبنائها وبناتها، مليون ونصف مليون من الشهداء، قربانا على محراب الحرية والكرامة.
وخلال سنوات الاستعمار الكالحة والطويلة ارتكب المستعمر مجازر بشعة ولجأ الى سياسة الارض المحروقة لكسر المقاومة وقاعدتها الشعبية، وسياسة النهب ومصادرة الأراضي والممتلكات ومنحها للمستوطنين الأوروبيين، إلى جانب النظام التمييزي والعنصري لقانون الأهالي بين سنتي 1881 و1945،
ان ماجرى فى الجزائر نموذج لقبح الاستعمار وعرض لجزء من سيرته القبيحة وماضيه الاسود الكالح وعلى الاوروبيين ان يكونوا منصفين ويعترفوا بخطأ اسلافهم ويعتذروا او يصمتوا تماما عن الحديث حول القيم والاخلاق
ومن العجيب ان لا يقتصر موقف فرنسا على رفض قانون تجريم الاستعمار الصادر فى الجزائر والذى وافق عليه البرلمان بالاجماع وانما تصفه بالعدائي ؛
باريس اعتبرت مطالبة الجزائر بالاعتذار الرسمى وتعويضات عن الحقبة الاستعمارية مبادرة عدائية من شأنها تقويض الجهود الرامية إلى إعادة بناء جسور الحوار بين البلدين
الموقف الفرنسي لم يأت فقط بصيغة الرفض، بل حمل في طياته قلقا واضحا من التحول الذي يمثله النص الجزائري، سواء من حيث طابعه التشريعي أو رمزيته السياسية
وتخشى الدبلوماسية الفرنسية أن يؤدي اعتماد هذا القانون إلى نسف ما تبقى من قنوات الحوار، خاصة في ظل حساسية الظرف السياسي والإقليم
