سودان تمورو:
شهدت اللهجة المصرية تجاه تطورات الأزمة السودانية تحولًا لافتًا اتسم بقدر كبير من الوضوح والحسم، مع تصعيد ملحوظ في المواقف الرسمية، تجلّى في ازدياد الانتقادات العلنية لقوات «الدعم السريع»، التي باتت القاهرة تصفها صراحة بـ«الميليشيات المسلحة»، في خروج واضح عن الصياغات الدبلوماسية الأكثر تحفظًا التي سادت في مراحل سابقة.
وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالًا بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، تناول خلاله التصعيد المتزايد في المنطقة. وذكرت وزارة الخارجية المصرية أن الوزيرين ناقشا الأوضاع الإنسانية والأمنية المتدهورة في السودان، حيث جدد عبد العاطي تأكيد موقف مصر الثابت والداعم لاحترام سيادة السودان، ورفض أي محاولات للمساواة بين مؤسسات الدولة الشرعية والميليشيات المسلحة.
كما شدد الجانبان على أولوية إنشاء ممرات ومناطق إنسانية آمنة، لا سيما في ظل ما شهدته مدينة الفاشر من مذابح وجرائم جسيمة، نُسبت إلى الميليشيات المسلحة، بحسب البيان الرسمي.
ويأتي هذا الموقف في وقت كانت فيه القاهرة قد رسمت خطوطًا حمراء واضحة، مؤكدة أنها لن تسمح بتجاوزها أو التهاون بشأنها. وتؤكد مصر رفضها القاطع لأي سيناريوهات قد تقود إلى تقسيم السودان أو انفصال أي جزء من أراضيه تحت أي ظرف، كما تجدد رفضها المطلق إنشاء كيانات موازية أو الاعتراف بها، باعتبار أن ذلك يمس وحدة السودان وسلامة أراضيه ويقوض مؤسسات الدولة.
وبلغت التحذيرات المصرية ذروتها مع التلويح بإمكانية تفعيل آلية اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة مع السودان، والتي تشمل مجالات التدريب العسكري، وتأمين الحدود، ومواجهة التهديدات المشتركة. وتنص الاتفاقية على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يُعد اعتداءً على الطرف الآخر، بما يستوجب التشاور الفوري واتخاذ ما يلزم من إجراءات، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد العدوان.
تعود اتفاقية الدفاع المشترك بين جمهورية مصر العربية وجمهورية السودان جذورها إلى 15 يوليو 1976 عندما وقّعت الحكومتان في القاهرة على هذه المعاهدة بهدف تأسيس إطار قانوني وعسكري يربط بين البلدين في مواجهة التهديدات الخارجية ويضمن الأمن القومي المشترك للطرفين. هذه الاتفاقية، التي تتكون من ثمانية بنود رئيسية، تمثل جزءًا من بنيان العلاقات العسكرية بين مصر والسودان، وقد مرت بمراحل من التطبيق والحوار حول فاعليتها وإمكانية تفعيلها بحسب الظروف الإقليمية والسياسية.
تنص الاتفاقية بشكل عام على التعاون العسكري والاستراتيجي, بحيث إذا تعرض أحد البلدين لأي تهديد خارجي أو عدوان، فإن الطرف الآخر يلتزم باتخاذ ما يلزم من إجراءات للدفاع المشترك ومساندة الشريك في حماية أمنه واستقراره. هذا يشمل التنسيق بين القوات المسلحة، وتبادل المعلومات العسكرية، ودعم القدرات الدفاعية، وتنفيذ الخطط المشتركة التي يحددها الطرفان بحسب الحاجة.
الاتفاقية كانت جزءًا من سياسة الدفاع الإقليمي في فترة السبعينيات، وتهدف إلى تعزيز التضامن الأمني بين القاهرة والخرطوم في مواجهة أي مخاطر أو تهديدات محتملة للإقليم، كما تؤسس لمبدأ أن أمن مصر وأمن السودان مترابطان ارتباطًا وثيقًا.
بعد توقيعها، أثارت الاتفاقية نقاشات وجلسات بين المسؤولين في البلدين، وأُشير إلى احتمال إلغاء أو تعليق هذه الاتفاقية في أواخر الثمانينات من قبل بعض المسؤولين في السودان لكن لم يصدر عن الجانب المصري بيان رسمي واضح بهذا الشأن.
في السياق الحالي، ومع استمرار النزاع المسلح في السودان منذ 2023، أكدت مصر أن اتفاقية الدفاع المشترك لا تزال سارية، وأنها تحتفظ بحقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة وفقًا لأحكامها لحماية ما تعتبره “خطوطًا حمراء” تمس أمنها القومي، مثل وحدة السودان وسيادته وسلامة مؤسساته. هذا الإعلان جاء في تصريحات رسمية ربطت بين الأمن المصري والأمن السوداني، وأوضح أن القاهرة ترى من مصلحتها دعم استقرار السودان ومنع أي تجزئة لإقليمه.
على مستوى الممارسة، لم تُعلن مصر أو السودان تنفيذ أي عمليات عسكرية مباشرة تحت مظلة الاتفاقية في الوقت الراهن، لكن الدعوات من القادة في البلدين لتفعيل الاتفاقية تأتي في إطار التصريحات السياسية والتأكيدات على التضامن الأمني في مواجهة التحديات التي تواجه المنطقة.
موقع الدفاع العربي
