الأحد, فبراير 15, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارشاعر سوداني يهاجم برنامج اغاني واغاني ويتهمه بالانحراف

شاعر سوداني يهاجم برنامج اغاني واغاني ويتهمه بالانحراف

سودان تمورو:

يعود الجدل حول برنامج «أغاني وأغاني» ليكشف عن مفارقة لافتة في المشهد الثقافي السوداني، حيث يتقاطع الحنين إلى ذاكرة فنية راسخة مع أسئلة ملحّة حول دور الفن في زمن الحرب، وما إذا كان هذا البرنامج الرمضاني الشهير قادرًا على أن يكون مساحة للتجديد أم أنه أصبح، كما يرى بعض النقاد، جزءًا من أزمة الغناء السوداني بدلًا من أن يكون مدخلًا لحلها. ويأتي هذا النقاش في لحظة تتسم بحساسية اجتماعية وسياسية، إذ يحاول السودانيون التمسك بما تبقى من طقوسهم الثقافية وسط واقع يتغير بعنف منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

فقد قدّم الشاعر هيثم عباس قراءة نقدية حادة لمسار البرنامج، معتبرًا أنه انطلق في بداياته كمنصة توثيقية مهمة تربط بين أجيال الإبداع السوداني، لكنه «انحرف عن أهدافه الأساسية بعد موسمين فقط»، ليتحول إلى حالة من التكرار والاستنساخ، أقرب إلى «ونسة فنية» موسمية منها إلى مشروع توثيقي جاد. ويرى عباس أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الشكل، بل مسار أثّر على فرص المواهب الجديدة، وقلّص مساحة المشاريع الغنائية الطموحة التي لم تجد دعمًا إعلاميًا كافيًا في ظل استحواذ البرنامج على الضوء والميزانيات الموسمية.

ويذهب عباس أبعد من ذلك حين يقول إن استمرار البرنامج بصيغته الحالية «خصم من حركة التجديد وأعاق تقدم الأغنية السودانية»، مشيرًا إلى أن غياب مراجعة جادة لفكرته سيجعل مواسمه القادمة مجرد تكرار لظاهرة تلفزيونية فقدت قدرتها على الإضافة. هذا النقد يعكس شعورًا متناميًا لدى بعض الفنانين والمهتمين بأن الساحة الفنية تحتاج إلى مساحات أكثر تنوعًا وجرأة، لا إلى إعادة تدوير ما هو مألوف.

لكن في المقابل، يشهد الوسط الفني حراكًا واسعًا مع استئناف تصوير الموسم الجديد من «أغاني وأغاني» في القاهرة، بعد توقف دام ثلاث سنوات فرضته الحرب. وبرغم الجدل حول توقيت العودة، تمضي قناة النيل الأزرق في إنتاج موسم تصفه بأنه «الأضخم» في تاريخ البرنامج، مستخدمة أحدث الاستديوهات والتقنيات، في محاولة لإحياء ذاكرة رمضان السودانية التي انقطعت بفعل النزوح والدمار.

وتحمل النسخة الجديدة مزيجًا من الأغنيات الوطنية والحماسية والطربية، في محاولة لالتقاط «اللحظة السودانية» وتوثيق قيم التكافل والصمود التي برزت خلال الحرب. وتؤكد القناة أنها ستخصص مساحة لأغنيات تدعم «القوات المسلحة ومعركة الكرامة»، إلى جانب الأعمال التراثية التي صنعت هوية البرنامج. هذا التوجه يعكس رغبة واضحة في مواءمة المحتوى مع المزاج العام، لكنه يفتح أيضًا بابًا لأسئلة حول حدود الفن حين يقترب من الخطاب الرسمي أو يتقاطع معه.

ويتولى الإعلامي والباحث مصعب الصاوي تقديم الموسم الجديد، خلفًا للراحل السر قدور الذي ارتبط اسمه بالبرنامج لسبعة عشر موسمًا. ويعد الصاوي الجمهور بـ«توليفة مختلفة» تمزج بين الأصوات الشابة والمخضرمة، في محاولة لإعادة بناء جسر بين الأجيال. ويشارك في الموسم عدد كبير من الفنانين والشعراء والموسيقيين، من بينهم هدى عربي التي عبّرت عن حماسها للعودة، قائلة إن الموسم سيكون «رهيبًا»، وإن البرنامج يمنح الفنانين فرصة لتعويض الجمهور بعد سنوات من الانشغال والظروف الاستثنائية.

غير أن هذا الحماس لا يخلو من معارضة. فقد ظهرت موجة انتقادات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، دعت القناة والفنانين إلى التوقف عن الغناء «تقديرًا لظروف الحرب والموت». ويرى المنتقدون أن الاحتفالات الفنية تبدو منفصلة عن واقع المعاناة اليومية، بينما يؤكد آخرون أن الفن جزء من مقاومة الألم وحفظ الذاكرة الجمعية، وأن غيابه يترك فراغًا لا يقل قسوة عن الحرب نفسها.

وبالتوازي مع البرنامج، تستعد قناة النيل الأزرق لطرح باقة من البرامج الدينية والاجتماعية والثقافية، بعضها صُوّر داخل السودان، إلى جانب برامج تشجع العودة الطوعية والمبادرات المجتمعية، وسهرة أسبوعية مخصصة للمغتربين. هذا التنوع يعكس محاولة لإعادة بناء علاقة القناة بجمهورها في الداخل والخارج، في وقت تتشتت فيه الأسر السودانية بين النزوح والاغتراب.

وبينما يعود «أغاني وأغاني» من القاهرة ليستعيد مكانته في وجدان المشاهد السوداني، يبقى السؤال الأوسع معلقًا: هل يستطيع البرنامج أن يكون مساحة للتجديد في زمن الانكسار، أم أنه سيظل جزءًا من معادلة ثقافية تبحث عن نفسها وسط حرب لم تترك مجالًا كبيرًا للغناء؟.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات