سودان تمورو:
يحكي الهادي لـ “سودان تربيون” تفاصيل ملاحقته السيارة وبذله الجهود منذ مايو 2025 لاستعادتها، فهي لم تكن وسيلة نقل فقط، بل كانت “شقاء العمر” التي اشتراها بعد سنوات من العمل.
ويقول: “وُجدت سيارتي بالميناء البري بود مدني وحين ذهبت لاستلامها تفاجأت باختفائها وقيل لي سحبها نظامي تابع للقوات المسلحة”
هذه العبارة تحديداً قيلت لـ (28) من أصحاب السيارات التي فُقدت خلال فترة احتلال الدعم السريع لولايتي الخرطوم والجزيرة، تحدثت معهم (سودان تربيون) وتحققت من رواياتهم.
فبعد انحسار المعارك في ولايتي الخرطوم والجزيرة واستعادة الجيش السيطرة عليهما، بدأت ظاهرة استيلاء بعض الأفراد المنتسبين للقوات النظامية أو المجموعات المساندة لها على سيارات المواطنين في الازدياد
يقول الهادي: “عقب تحرير الجيش لولاية الجزيرة، عدت في مارس 2025 وفتحت بلاغاً جنائياً يفيد بفقداني لسيارتين، شاهد كثيرون سيارتي في الميناء البري فهي جديدة ومميزة وقالوا لي إن نظامياً برتبة صول في الجيش سحبها”
ويضيف قائلاً: “صاحب ورشة قريبة من المكان أعطاني رقم الهاتف المكتوب على السحاب (الونش) كان قد سجله، عدت إلى قسم الشرطة لإبلاغهم، وبعد الاتصال بصاحب السحاب دلنا على المكان الذي أوصل إليه السيارة وأخبرنا – وبرفقتي رجال مباحث القسم الشرقي مدني – إلى حيث أوصلها، مؤكداً أنه نقلها بناءً على أوراق ثبوتية للسيارة أبرزها له النظامي”، رغم أنهم وجدوا السيارة أمام منزل النظامي بشرق النيل في ود مدني.
وأقر العسكري بأن السيارة ليست ملكه لكنه نقل أجزاءً كثيرة منها إلى سيارته وترك فقط الهيكل، ورفض تماماً سحبها إلى قسم الشرطة.
ولتأمين موقفه، أبلغ مرتضى الإدارة القانونية بالقيادة العسكرية بود مدني – والتي يتبع لها النظامي – بما حدث، ووجه المستشار القانوني بالشروع فوراً في الإجراءات القانونية، إلا أن مرتضى قرر إمهال الرجل فرصة لتسليم السيارة وهو ما لم يحدث.
وتطابقت رواية (28) مواطناً استمعت إليهم (سودان تربيون) حول استيلاء نظاميين – بينهم 6 برتبة عقيد بالقوات المسلحة – على سياراتهم التي وُجدت بحالة جيدة وجميعها من الفئة باهظة الثمن
ووفقاً لرواية الضحايا، فإن النظاميين رفضوا إعادة السيارات وامتنعوا كذلك عن الالتزام بمخاطبات الشرطة ووكلاء النيابة العامة.
(استمارة 12 س) العسكرية احدى وسائل الاستيلاء على السيارات- سودان تربيون
لكن كيف تمكن هؤلاء النظاميون من الحصول والتنقل بهذه السيارات من مكان إلى آخر في ظل وجود بلاغات جنائية بفقدانها وقرارات صادرة من ولاة الولايات بموجب قانون الطوارئ، ألزموا بموجبها المواطنين الراغبين في نقل ممتلكاتهم إبراز مستندات الملكية (فواتير، شهادات بحث، أو إقرار مشفوع باليمين معتمد من اللجنة الإدارية بالحي)؟ خاصة أن القرارات أُلزمت بها كل القوات فيما يتعلق بالجانب المدني للمنقولات، كما تم تكليف القوات المشتركة والخلية الأمنية بوضع يدها على أي منقولات مجهولة المصدر أو لا تتوفر مستنداتها، وفتح بلاغات جنائية فورية تحت طائلة قانون الطوارئ (التعامل في المال المسروق).
ومن خلال البحث والتقصي، والذي امتد لثلاثة أشهر، والتتبع لعدد من نماذج الطرق التي يستولي بها بعض النظاميين على سيارات المواطنين المنهوبة بواسطة الدعم السريع ومقابلة عدد من المصادر العسكرية والأمنية؛ كان بعضهم أكثر ميلاً إلى وصفها بالتصرفات الفردية ولا يجب تعميمها على كل أفراد وضباط القوات النظامية، مع استنكارهم للظاهرة والتخوف من استمرارها.
وتقر المصادر العسكرية بوجود حالات كثيرة لا يمكن نكرانها، لافتة إلى أنه يُفترض قانوناً أن أي سيارة أو ممتلكات تُضبط لدى نظامي دون مستندات رسمية تُعد “عهدة غير قانونية” يُحاسب عليها بموجب قانون القوات المسلحة والقانون الجنائي، إلى جانب أن أغلبها هو استغلال لسلطاتهم – على حد تعبيرهم –
أين القانون؟
وبينما يتخفى البعض خلف ستار العمليات العسكرية، يبرز قانون القوات المسلحة السوداني تعديل 2013 كخصم قانوني صارم ضد المتجاوزين، إذ تضع المواد 159 و164 حداً فاصلاً لهذه التجاوزات، وتعتبر الاستيلاء على ممتلكات المدنيين “سلوكاً مشيناً” يستوجب الطرد من الخدمة والسجن، مما يضع القادة الميدانيين أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لضبط أفرادهم ومحاسبة “أمراء الغنائم”.
وتنص المادتان (180) و (182) من القانون الجنائي لسنة 1991م حول الإساءة في ممارسة السلطة والتملك الجنائي على عقوبات تصل إلى السجن ثلاث سنوات مع الغرامة. وفي حالات النزاع المسلح (كما هو الحال في السودان)، تُجرم اتفاقية جنيف الرابعة في مادتها (33) و (147) بشكل قاطع استغلال القوات العسكرية لنفوذها للاستيلاء على أموال المدنيين.
وكشف التقصي عن استخدام بعض منسوبي القوات النظامية لما يعرف بـ(استمارة 12 س) – حصلت “سودان تربيون” على نسخة منها – وهي مستند عسكري للمنصرف والوارد من المخازن، يصدر من الوحدات العسكرية سواء شرطة أو جيش أو أمن للأغراض والمهمات العسكرية ونقل المعينات العسكرية، وقد تشمل سيارات أو دراجات هوائية وغيرها من المنقولات، وهي إحدى الطرق المتبعة بحيث يتجاوز بها النظامي إجراءات نقاط التفتيش.
ووفقاً لمصدر عسكري بالقوات المسلحة فضل حجب اسمه لأنه غير مخول له بالتصريح، فهي تعتبر جريمة مزدوجة، يستغل فيها النظامي سلطاته ليمتلك ما ليس له.
وكان تغيير بيانات السيارة هو الحيلة الثانية التي يستخدمها بعض النظاميين للاستيلاء على سيارات المواطنين، وهو ما يعرف عند رجال إدارة مكافحة سرقة السيارات بالشرطة بـ(الكيبل)، بحيث يتم تزوير شهادة البحث والملصق (الاستيكر) وتكون اللوحة لأخرى.
ورصد التحقيق (13) حالة اشتبك فيها أصحاب السيارات مع نظاميين تملكوا سياراتهم في بورتسودان والخرطوم وكسلا ودنقلا ببيانات مختلفة.
ووصلت إحدى هذه الحالات إلى المحكمة بعد تعنت ضابط برتبة عقيد في الجيش في تسليم سيارة مواطن كان يقودها حتى تم احتجازها بمنطقة كمنار بالقرب من مدينة كرمة (55) كلم شمال دنقلا عاصمة الولاية الشمالية.
وتبين أن مستندات السيارة التي بحوزة النظامي جميعها مزورة، وتمت تسوية القضية خارج المحكمة مراعاة لمستقبل النظامي.
الشرطة تعلق
ورشة في شرق النيل يتم فيها تفكيك قطع غيار السيارات المسروقة- سودان تربيون
يلفت المتحدث باسم الشرطة السودانية العميد فتح الرحمن محمد التوم في حديثه لـ(سودان تربيون) إلى أن عدد حالات التزوير في شهادات بحث المركبات واللوحات محدود، وتم القبض على المتهمين وفُتحت بلاغات في مواجهتهم وأن جزءاً منهم تمت محاكمته، مشيراً إلى أن الشرطة ترصد وتراقب وتفتش على الدوام المركبات ورخص القيادة وشهادات البحث لمحاربة هذه الظاهرة والحد منها – على حد تعبيره –
ويذهب فتح الرحمن إلى أن عناصر مليشيا الدعم السريع – كما وصفها – مارسوا انتهاكات منهجية وواسعة ضد المدنيين، أبرزها نهب مركبات وممتلكات المواطنين خاصة في ولايتي الخرطوم والجزيرة وبقية المناطق التي تأثرت بالحرب، حيث سجلت منصة الإبلاغ الإلكتروني حتى يناير 2026 عدد (89089) بلاغاً يتعلق بالمركبات المنهوبة، في وقت تشير تقارير غير رسمية إلى أن عدد السيارات المنهوبة بواسطة الدعم السريع تتجاوز (200000) سيارة.
ويشير فتح الرحمن إلى أن هناك بلاغات أخرى دونتها الأقسام الجنائية بصورة مباشرة وتم الربط بين هذه البلاغات وبين نظام المرور، بحيث يتم فوراً تجميد أي إجراء يرتبط بها في نظام المعاملات المرورية إلا في حال عثور مالكها القانوني عليها وقيامه شخصياً بشطب البلاغ، ويرى أن هذا الإجراء أسهم في محاصرة أي أنشطة تزوير لملكية المركبات، إلى جانب صدور قرار بوقف نقل الملكية حتى تتجاوز البلاد هذه المرحلة.
ويكشف عبد القادر العشماوي مدير منصة (فتش لي عربيتي) – وهي منصة إلكترونية متخصصة في البحث عن السيارات المفقودة على تطبيق التليغرام – عن حصر العاملين بالمنصة والمتطوعين ما يقارب (100000) سيارة بالخرطوم.
وأوضح أن البحث يتم عبر رقم هيكل السيارة (الشاسي) واللوحة، وبالفعل وجد الآلاف سياراتهم عن طريق التطبيق وفقاً لعشماوي، ويضيف في حديثه لـ(سودان تربيون): “كل منطقة قمنا فيها بحصر السيارات الموجودة فيها، نحفظ كل سيارة ونتابعها حتى إذا تم سحبها ونقلها يتم التعرف على مكانها الجديد”.
وحول إجراءات التسليم يوضح العشماوي أنه بمجرد تعرف صاحب السيارة عليها، يتم مطالبته بالحصول على تصريح النقل من مكتب الاستخبارات بالعمارات بالخرطوم.
ويقطع اللواء المتقاعد من الجيش معتصم عبد القادر بأنه لا يحق لأي مواطن أو نظامي الاستيلاء أو استخدام سيارة مواطن آخر دون موافقته، ولا طلب مبلغ مالي مقابل إعادتها، وهي مسألة غير قانونية يتم حسمها بإبلاغ الشرطة وتحقيقات النيابة والقضاء.
ويضيف: “حال فشلت كل تلك الجهود بما فيها البلاغ في الوحدة العسكرية التي يتبع إليها النظامي، يلجأ المواطن إلى الادعاء والقضاء العسكري”.
ويتابع بالقول: “حينها أنا على ثقة بأنه سيحدث تراجع من الجهات المتعنتة في رد الحقوق وتعود الحقوق إلى أصحابها”. – على حد تعبيره – واعتبر ما يجري من تجاوزات في هذا الخصوص تصرفات غير مبررة لأي من منسوبي القوات النظامية، وإن وُجدت فهي شكل من أشكال التصرفات الفردية
ويردف معتصم بقوله: “هي تصرفات محدودة وغير حميدة، ولكنها تعتبر حالات معزولة بالمقارنة مع الآلاف من أفراد وضباط القوات الموجودين في الساحة، ولا يسمح بها قانون القوات المسلحة أو الشرطة أو الأجهزة النظامية الأخرى، ولا يجب أن يترك المواطن حقه القانوني”.
ويوضح لـ “سودان تربيون”: “أيام الحرب الأولى في الخرطوم كنا في أم درمان وكانت هنالك حاجة كبيرة للسيارات والمنازل وكانت القوات المسلحة تفتقر لكثير من المعينات، تواصلت القوات المسلحة مع بعض أصحاب المنازل التي كانوا في حوجة إليها فسمحوا لهم باستخدامها وكذلك السيارات، وتمت إعادتها لهم مباشرة بعد تحرير هذه المناطق”.
وحاولت “سودان تربيون” التواصل مع المتحدث باسم القوات المسلحة العميد ركن عاصم عوض عبد الوهاب محمد لأكثر من ثلاثة أسابيع للرد على هذه الاتهامات دون رد.
كما التزم مكتب إعلام النيابة العامة الصمت وعدم الرد على طلبات متكررة للحصول على معلومات حول عدد البلاغات المفتوحة ضد بعض النظاميين فيما يتعلق باستيلائهم على سيارات المواطنين والتي حولتها النيابات المختصة إلى المحكمة.
نموذج ثالث
أما النموذج الثالث الذي تم التوصل إليه عبر التقصي والتحقق، هو سحب بعض النظاميين لعدد من السيارات من المنازل في مدينة الحاج يوسف بمحلية شرق النيل، وتحديداً في منطقة شارع (1) واحد، وادعاء ملكيتها أحياناً أو سحبها بغرض تجميعها في مراكز.
لكن حين عاد الملاك ولم يجدوا سياراتهم ولجأوا إلى الوحدة العسكرية، كانت الإجابة الصادمة بعدم صدور أي أوامر من هذا القبيل.
وبالتتبع اتضح أن عدداً كبيراً من هذه العربات تم تفكيكها وبيع أجزائها إلى ورش صيانة السيارات في مناطق حلة كوكو والصقعي وسوق الوحدة بمدينة الحاج يوسف، والتي انتعشت عقب تحرير الخرطوم.
وفي بداية يناير من العام الجاري كوّن والي الخرطوم أحمد عثمان لجنة أمنية مشتركة لمراجعة أعمال ورش صيانة السيارات بولاية الخرطوم، تمكنت عبرها محلية شرق النيل من ضبط أكثر من (41) سيارة مسروقة بالورش في محور واحد فقط في شرق النيل، والتي شُكلت لجانها الأمنية من شرطة المرور ومباحث سرقة السيارات والمباحث الفيدرالية وجهاز المخابرات العامة وسلاح المهندسين والخلية الأمنية والمكتب التنفيذي للمحلية، تختص مهامها بحصر السيارات بالطرقات العامة للمحلية وتجميعها وتصنيفها وتحديد هوية مالكها.
ويكشف عضو اللجنة المهندس الناجي عماد الدين حسن عن تحريز أكثر من (7) أطنان من قطع غيار السيارات بينها قطع جديدة بلا مستندات ولم يتم إثبات ملكيتها من أصحاب الورش الذين ضُبطت بحوزتهم.
وتمت محاكمة (67) من أصحاب الورش بالمحلية.
ويقول لـ(سودان تربيون): “إحدى اللجان مهمتها حصر مخالفات الورش ووجدنا فيها العجائب”
ووفقاً للناجي، وضعت اللجنة إجراءات مشددة لهذا القطاع في شرق النيل مع حملات مكثفة وإيقاف العمل في بعضها وفقاً لأحكام القانون عبر المحكمة المختصة.
فيما فعّلت اللجنة قرارات تتعلق بمنع دخول أي سيارة إلى ورش صيانة السيارات ما لم يحمل مالكها مستندات الملكية وبلاغ الحادث من شرطة المرور، إضافة إلى تصريح نقل العربة الصادر من النيابة والأجهزة الأمنية.
في نهاية المطاف، لا تبدو السيارة في شوارع مدن السودان المنهكة مجرد قطعة من حديد، بل هي “صندوق أسود” لقصص الكفاح، ومدخرات سنوات من الشقاء والغربة، وأمان كثير من العائلات التي شردتها الحرب.
إن المشاهد التي وثقها هذا التحقيق ليست في مجملها مجرد “تجاوزات فردية” كما يصفها البعض، بل هي اختبار حقيقي لضمير القوات النظامية بعد التحرير، وهي ليست مجرد إجراءات قانونية فقط وإنما ضمان لعدم تكرارها.
سودان تربيون
