سودان تمورو
الغرب بكل انظمته السياسية وهيئاته ومؤسساته الرسمية وعلى رأسها الحكومات يقف دوما فى الجانب المناوئ للصدق والاخلاق وكل القيم ؛ ونرى الغرب الرسمى – ونؤكد على الرسمى هذه لنقول اننا لانعنى بقولنا الشعوب الغربية ، وان كان الكلام ينطبق على جزء منها لكن يبقى الحديث عن الجهات الرسمية فحسب – بعيدا عن التقيد حتى بالقواعد التى يدعو لها ، ويريد من الاخرين ارساءها ؛ وهو بهذا الوصف يعيش وبكل وضوح نفاقا وازدواجية فى المعايير تجعلنا نقول ان الغرب الرسمى تسهل محاكمته وفضحه امام جمهوره.
ونقف فى هذه الاسطر مع زاوية واحدة من عديد الزوايا التى تبين نفاق الغرب الرسمى وبعده عن الصدق ؛ ونقول ان هذه الحكومات الغربية وبعض المؤسسات الرسمية رفعت عقيرتها بالصياح ولفت النظر واكثار القول فى ان ايران تمارس تضييقا على شعبها وتعيش انحدارا فى المستوى المعيشى وانهيارا فى الخدمات ونقصا بصورة عامة فى مايلزم ان يحصل عليه الناس ؛ وفى الاحداث الاخيرة بايران تحرك الغرب بقوة وتم تحشيد العديد من العناوين لدفع المحتجين الى مزيد من التحرك ، واخراج الحراك من كونه مطلبيا الى سياسيا يعتمد التخريب والعنف وصولا الى الغاية التى ارادوها ؛ وضخم الامر الى حد يفوق التصور ، ونسجت وسائل اعلام غربية وعربية على هذا المنوال تريد الوصول الى نتيجة مفادها ان اغلب الشعب الايرانى فى الصف المناوئ لحكومته وانه ساع الى اسقاطها ؛ وتغيير النظام والمجئ باخر مختلف عنه .
وقد عمل الغرب على تصوير الاحتجاجات المطلبية بانها الثورة الحاسمة التى تطيح بالنظام ؛ وتم التضييق بشدة على ايران ، إذ إن العقوبات المفروضة عليها تفوق ما يمكن ان يتخيله الانسان ؛ وصبر الايرانيون طوال هذه العقود ، واعتمدت الدولة بدائل لتصل بها الى مواجهة هذا الضغط الشديد والغير محتمل ؛ والذى يمكن ان يسقط اعتى الحكومات ؛ وصمدت ايران وصبر شعبها وانتصر .
ومع صعوبة الاوضاع الاقتصادية التى تمر بها ايران ؛ وتزايد الضغوط مع مرور الزمن ؛ واصرار الاعداء بكل جبهاتهم على الاستمرار فى التضييق على الشعب املا فى خنقه حتى يقتل او يعمل على تغيير حكومته ؛ لم تفلح كل المحاولات الغربية فى جعل الايرانيين يضعفون انما حدث خلاف ذلك ؛ وفى هذا المنحى يجدر ان نتوقف مع المشاكل الاقتصادية التى تواجه المجتمعات الغربية ؛ والانحدار المعيشى الكبير الذى يعيشه الغربيون ؛ ونتساءل ما الذى يمنع الغربيين – شعوبا ومنظمات – من التحرك ضد حكوماتهم التى اوصلتهم الى هذا الوضع ؛ وهذه الحكومات التى تتلقف الاخبار عن معاناة الايرانيين المزعومة – وهى سبب التضييق عليهم بالعقوبات الغير اخلاقية ولا قانونية – لماذا لا تعمل على معالجة اوضاع شعوبها والانشغال بهذا الامر بدلا عن التامر على الاخرين والعمل على تخريب البلدان.؟
ونعرف أن الدول الكبرى تتدخل بشؤون دول اخري تحت عناوين الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية ، ولا سيما في الجولة الأخيرة من التصعيد ضد إيران بذريعة مساعدة الشعب الإيراني في أزمته المعيشية، ومحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي عبر عمليات تخريبية تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، وتتكشف مفارقة صارخة إذ
يتبين للمتابع ان الدول التى تتصدر خطاب الوصاية الأخلاقية، وادعاء الحرص على الشعوب الاخرى ؛ وفى مقدمة هذه الدول امريكا تعاني في واقعها الداخلي من هشاشة اجتماعية واقتصادية عميقة، وتمثل اليوم نماذج لأخطر الأزمات المعيشية منذ عقود.
وبدلا من تركيز اميركا وبعض الدول الغربية على تحسين اوضاع شعوبها ومعالجة ازمات فى السكن والعلاج والتشرد وحتى الجوع ؛ نرى حكومات هذه الدول تنفق اموالا طائلة فى التامر على الاخرين وصناعة التوتر والفوضى ساعية الى اسقاط الانظمة التى ترفض الانصياع والخضوع والتبعية لها والقبول بهيمنة الغرب الساعى الى نهب الموارد او تدجين الاخرين ومنعهم من العمل على الانعتاق والحرية ومناوءة الاستكبار ؛ وتتخذ الدول الغربية من العناوين الانسانية مبررات لسعيها للتدخل فى شؤون دول اخرى ؛ موظفة كل جهودها السياسية والامنية والعسكرية والاستخبارية وغيرها فى الاضرار بالاخرين ؛ وكان يجدر بها ان تعمل على معالجة مشاكلها الداخلية لو انها كانت منصفة لكن من اين ياتيها الانصاف؟
لماذا تحاول الحكومات الغربية اخفاء حقائق والتستر عليها ؟ الاجابة واضحة فهذه الحقائق التى يعملون على اخفائها تفضحهم وتسقط ادعاءهم الباطل بانهم يعملون من اجل القيم ؛ والمستغرب ان تظل الشعوب الغربية – فى غالبها – مستغفلة بعيدة عن الوعى بامرها ولا بما يراد بها ؛ ويسهل توجيهها وتعبئتها بل وتحريكها ضد الاخرين احيانا.
وعلى الشعوب فى الغرب ان تعى لما يدور حولها ؛ و تعمل على الخروج من حالة اللاوعى والغياب التى تعيشها فيها وعندها ستدرك كم هى مجرمة حكوماتها.
