سودان تمورو
مؤسسة “The Libertarian ” البحثية الأميركية تنشر مقالاً تحذر فيه من التصعيد الخطير الذي تمثله مساعي تقسيم إيران على أسس عرقية وطائفية. ما الهواجس التي تثيرها؟ وكيف سيخدم تفتيت إيران المصالح الإسرائيلية ويضر واشنطن؟
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
الاجتماعات بين الإسرائيليين ومعارضين إيرانيين منفيين مع مراكز الأبحاث الغربية، والتي تدعو إلى تقسيم إيران على أسس عرقية وطائفية، مقلقة وتمثل تصعيداً استراتيجياً خطيراً بالانتقال من خطط “تغيير الأنظمة التقليدي” إلى ما يمكن وصفه بتدمير الدول، وهو تحول سياسي من شأنه أن يخدم طموحات “إسرائيل” الإقليمية، فيما يزعزع استقرار الشرق الأوسط بشكل كارثي، ويخلق كوارث إنسانية تفوق أزمة اللاجئين السوريين.
يستخدم هؤلاء التنوع السكاني لإيران ذريعةً لطرح توجهاتهم، إذ إن عدد الفرس ما بين 51 و61% من السكان، والأذربيجانيين ما بين 16 و24%، والكرد ما بين 7 و10%، مع وجود أعداد أقل من العرب والبلوش والتركمان الذين يكملون التركيبة العرقية للبلاد.
وبدلاً من النظر إلى هذا التنوع باعتباره قوة وطنية، يصوّره دعاة التقسيم على أنَّه نقطة ضعف استراتيجية قابلة للاستغلال.
وقد تصدرت “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات” المحافظة المتطرفة هذه الحملة. كذلك، روجت المحللة بريندا شافير صراحةً لفكرة تفكك إيران على غرار الانهيار العنيف ليوغوسلافيا، مع احتفاظها في الوقت ذاته بعلاقات مالية سرية مع شركة النفط الحكومية الأذربيجانية “سوكار”.
وينصبّ تركيزها على الترويج لانفصال الإيرانين الأذربيجانيين، ما يكشف عن سوء فهم جوهري للديناميات الداخلية الإيرانية.
يُذكر أن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان أذربيجانيان، الأمر الذي يُقوض تماماً روايات الهيمنة العرقية الفارسية التي تُغذي النزعة الانفصالية.
وقد ضخّمت وسائل الإعلام هذه الدعوات بعلنية مثيرة للقلق. ففي حزيران/يونيو العام الماضي، حثت هيئة تحرير صحيفة “جيروزالم بوست” الإسرائيلية على تشكيل “تحالف شرق أوسطي لتقسيم إيران”، مقترحةً “ضمانات أمنية للمناطق السنية والكردية والبلوشية الراغبة في الانفصال”.
ودعت الافتتاحية إلى الفيدرالية أو التقسيم الكامل، وقارنت صراحةً بين احتمال تفكك إيران وتفكك يوغوسلافيا. وبالمثل، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” حججاً عن أن إيران المنقسمة قد تُحبط المصالح الروسية والصينية مع تقليل التهديدات لـ”إسرائيل”، لكنها تغض النظر عن المخاطر الكارثية لهذه التوجهات.
وقد أظهرت الأوساط السياسية الإسرائيلية دعماً مؤسسياً للتقسيم؛ ففي عام 2023، وقّع 32 عضواً في الكنيست الإسرائيلي إعلاناً يدعو إلى تفكيك إيران إلى 6 أجزاء، مُطالبين بفصل طهران عن أذربيجان الإيرانية، وضم كردستان الإيرانية إلى المناطق الكردية العراقية، واستقلال الأهواز، وضم بلوشستان إلى باكستان.
ورغم أنَّ معظم النواب تراجعوا لاحقاً عن توقيعاتهم في أعقاب ردود فعل غاضبة، فإنَّ هذه الحادثة كشفت عن رغبة كبيرة لدى المؤسسة السياسية الإسرائيلية في تبني استراتيجيات التفتيت.
يعود الأساس الأيديولوجي لهذه المقترحات مباشرةً إلى خطة عوديد ينون الإسرائيلي لعام 1982، التي تدعو إلى تقسيم دول الشرق الأوسط على أسس عرقية وطائفية، والتي نصت صراحةً على وجوب قيام “إسرائيل” بـ”تقسيم المنطقة بأكملها إلى دويلات صغيرة من خلال حلّ جميع الدول العربية القائمة”، انطلاقاً من فرضية أنَّ الدول الأصغر حجماً أضعف، ما يُسهل السيطرة عليها. وبينما ركزت الوثيقة الأصلية بشكل أساسي على الدول العربية، فقد عممت دعوات التقسيم المعاصرة هذه المبادئ على إيران، ما أدى فعلياً إلى تخصيص خطة ينون بإيران.
يمثل هذا تتويجاً منطقياً لاستراتيجية أسفرت بالفعل عن نتائج كارثية في جميع أنحاء المنطقة؛ فقد تسبب الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وما تبعه من انقسام طائفي بمقتل مئات الآلاف من المدنيين، ونزوح ملايين اللاجئين، وصعود تنظيم “داعش” عوضاً عن التحول الديمقراطي الموعود.
أما الانقسام في سوريا، فقد أودى بحياة أكثر من نصف مليون شخص، وتسبب بنزوح نصف سكانها قبل الحرب. كما أدى انهيار ليبيا بعد التدخل الغربي إلى ظهور مناطق خارجة عن سيطرة الحكومات الإقليمية هناك، إذ استغلتها الشبكات الإرهابية وتجار البشر، فالنمط ثابت، والتفتيت يُنتج فوضى وكوارث إنسانية وظروفاً مواتية للجماعات المتطرفة بدلاً من الاستقرار أو الديمقراطية.
بالنسبة إلى إيران تحديداً، فإنَّ التقسيم سيخدم المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية حصراً، فيما يضر بالأمن القومي الأميركي. وتسعى “إسرائيل” إلى ترك إيران مجزأة ومقسمة إلى دويلات متناحرة عاجزة عن تشكيل تحدّ متماسك لطموحاتها الإقليمية الكبرى. وإيران المنقسمة لا تستطيع تطوير قدرات نووية، ولا دعم حركات المقاومة، ولا بسط نفوذها خارج حدودها.
مع ذلك، ليس للولايات المتحدة مصلحة مماثلة للمصلحة الإسرائيلية في مثل هذه النتائج. كما سيؤدي تفتيت إيران إلى تدفقات هائلة من اللاجئين، ما يزعزع استقرار الدول المجاورة، ويتطلب تدخلاً إنسانياً دولياً. كما سيؤدي إلى ظهور مناطق خارجة عن السيطرة تستغلها المنظمات الإرهابية.
ولن تتسامح تركيا مطلقاً مع الدعم الغربي للانفصال الكردي في إيران، نظراً إلى صراعها الممتد لعقود مع حزب العمال الكردستاني. أما باكستان، التي تواجه بالفعل حركة تمرد بلوشية، فستعتبر التدخل الغربي في بلوشستان الإيرانية تهديداً مباشراً لسلامة أراضيها. وستفسر روسيا والصين تقسيم إيران على أنَّه تأكيد لأشد مخاوفهما بشأن النيات الغربية، ما سيسرع من تشكيل تحالفات مناهضة للغرب.
لقد أثبتت الجهود الأميركية ضد إيران بالفعل عدم جدوى نهج الضغط الأقصى. عقود من العقوبات لم تُفضِ إلى تغيير النظام، بل رسّخت هيمنة المتشددين، وعززت المقاومة القومية. كما فشلت العمليات السرية، بما فيها اغتيالات علماء نوويين، وهجمات ستوكسنت الإلكترونية، ودعم جماعات المنفى، في تغيير الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، ودمرت الضربات العسكرية المباشرة منشآت أُعيد بناؤها مؤقتاً في غضون سنوات.
مع ذلك، يُظهر التاريخ أنَّ المجتمع الإيراني يلتف حول رايته عند مواجهة أي عدوان خارجي، عوضاً عن أنَّ ينقسم على أسس عرقية. كما تمثل القومية الإيرانية قوة موحدة جبارة تتجاوز الانقسامات العرقية. وتقول إيران إنَّها من أقدم الحضارات المستمرة في العالم، وهويتها الوطنية الجامعة سابقة على التصنيفات العرقية الحديثة. وعلى عكس العراق أو سوريا، حيث حدود الدول رسمته الخرائط الاستعمارية، تُشكل إيران كياناً متكاملاً تاريخياً، حضنت من خلاله تعايش التنوع الداخلي مع وعي وطني راسخ لآلاف السنين.
إن البديل من أوهام التقسيم المدمرة يتطلب سياسة رصينة تُقرّ بالإخفاقات السابقة، حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى إعادة توجيه استراتيجي جوهري بعيداً عن التدخلات في الشرق الأوسط نحو معالجة أولويات الأمن القومي الحقيقية. كما أنَّ أمن الحدود في نصف الكرة الغربي، وإدارة التعايش السلمي مع الصين، وإعادة بناء البنية التحتية المحلية تُعتبر مصالح أميركية جوهرية لا علاقة لها بتفتيت إيران.
كما يُقرّ مبدأ عدم التدخل وضبط النفس بأن التطور السياسي الإيراني يجب أن ينبع من ديناميات داخلية لا من تلاعب خارجي. والدروس المستفادة من العراق وسوريا وليبيا واضحة لا لبس فيها في هذا الشأن. فالتدخل العسكري ودعم التفتيت تؤدي إلى كوارث إنسانية وتشجع الفصائل المتطرفة وتولد ظروفاً تستدعي تدخلاً أميركياً مطولاً بدلاً من تمكين الانسحاب.
لا يحتاج الشرق الأوسط إلى دولة فاشلة أخرى تُولّد أزمات لاجئين وملاذاً آمناً للإرهابيين. ويستحق الشعب الأميركي سياسة خارجية تخدم المصالح الوطنية عوضاً عن تفويض صنع القرار الاستراتيجي إلى حلفاء إقليميين يسعون وراء أهداف متضاربة.
ولن يُخرج تقسيم إيران البلاد من دائرة الصراع الجيوسياسي، كما يدّعي المؤيدون، بل سيُشعل فتيل الصراع، مُحدثاً موجات لا يُمكن التكهن بها من العنف والنزوح والتنافس بين القوى العظمى في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.
وستكون التكاليف الإنسانية باهظة، والنتائج الاستراتيجية عكسية، وستقتصر الفوائد على “إسرائيل” دون الولايات المتحدة أو الشعب الإيراني نفسه. كذلك، إنَّ أي نهج يتمتع بالمسؤولية لا بد من أن يُقرّ بأنّ لمواطني إيران البالغ عددهم 90 مليوناً الحق في تقرير مصيرهم السياسي، لكن لا يمكن فرض هذا التحوّل من خلال التفتيت الخارجي.
ويتطلّب المسار المستقبلي ضبط النفس وعدم التدخل، والاعتراف بأنَّ عقوداً من العقوبات والعمليات السرية والتهديدات العسكرية فشلت باستمرار، فيما النظام المستهدف يعزز قوته.
نقله إلى العربية: حسين قطايا.
