الثلاثاء, أبريل 28, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين تحوّل المستضعفون إلى صُنّاع تاريخ!.. بقلم سعد الدين عطية الله

حين تحوّل المستضعفون إلى صُنّاع تاريخ!.. بقلم سعد الدين عطية الله

سودان تمورو

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾

لسنا اليوم أمام ذكرى تُستعاد على مهل، ولا أمام تاريخ يُقرأ ببرود المؤرخين، بل أمام تجربة حيّة تتنفس، سبعة وأربعون عاماً من العزة المتراكمة، ومن التحول العميق الذي لم يبدّل وجهاً سياسياً بآخر فحسب، بل أعاد تشكيل الوعي، وأعاد تعريف الممكن في زمنٍ أُريد له أن يسلّم بالهزيمة كقدرٍ أبدي. لقد جاءت الثورة، في لحظة انسداد شامل، لا لتُجامل توازنات العالم، بل لتكسرها، ولا لتطلب موقعاً في الهامش، بل لتعلن أن زمن التبعية قد انتهى، وأن السيادة ليست منحة تُستجدى، بل حق يُنتزع.

كانت تلك اللحظة زلزالاً في وعي الأمة قبل أن تكون حدثاً في تقويم السياسة. زلزالاً اقتلع من النفوس غبار الخوف، وكسر السقف الزجاجي الذي فُرض على الشعوب باسم الواقعية والعقلانية السياسية. لم تهزّ الثورة عروش الطغيان فحسب، بل زعزعت المسلّمات التي روّجت لعقود بأن الدين لا يصلح للحياة العامة، وأن الاستقلال ترفٌ لا يليق بالدول “الضعيفة”، وأن القوة حكرٌ على من يملك السلاح والمال. فجاءت لتقول، بالفعل قبل القول، إن الإسلام ليس طقساً منزوع الدسم، بل مشروع نهضة، وإن الإيمان حين يتحول إلى وعيٍ جماعي يصبح قوة تاريخية لا تُقهر.

وصف الإمام الخميني للثورة بأنها “انفجارٌ للنور” لم يكن مجازاً شاعرياً عابراً، بل توصيفاً دقيقاً لظاهرة سياسية–روحية نادرة. فالانفجار يحيل إلى تلك الطاقة الكامنة التي تحطّم القيود دفعة واحدة، والنور يحيل إلى الوضوح الأخلاقي في عالمٍ يتغذى على الالتباس. لقد كان نوراً كشف زيف العروش التي قامت على ذلّ شعوبها، وفضح هشاشة القوة حين تنفصل عن العدالة، وفتح كوة أمل في جدار اليأس الممتد من طهران إلى أبعد نقطة يئن فيها مستضعف تحت نير الهيمنة.

على امتداد سبعة وأربعين عاماً، لم تكن هذه التجربة مجرد إدارة للأزمات، بل صناعة مستمرة لمعنى الكرامة. ففي عالمٍ يُقاس فيه النفوذ بعدد حاملات الطائرات، أعادت الثورة الاعتبار لمعادلـةٍ مختلفة.. الإرادة أولاً. علّمت أن من لا يملك النفط قد يملك القرار، وأن من لا يملك الجيوش الجرارة قد يملك القدرة على الصمود، وأن الدم، حين يُسفك دفاعاً عن الحق، يمكن أن يهزم السيف، لا في الأساطير، بل في الواقع السياسي الصلب. هكذا تشكّلت هوية جديدة، لا تعادي العالم، لكنها ترفض الخضوع له، ولا تنغلق على ذاتها، لكنها تقاوم من أجل ثوابتها.

ولعل أخطر ما واجهته هذه الثورة لم يكن الحرب ولا الحصار ولا العقوبات، بل محاولة إنهاك المعنى، وتحويلها إلى ذكرى متحفية بلا روح. غير أن التجربة أثبتت أن ما يستمد وقوده من وحي السماء لا ينطفئ بقرارات الأرض. فكلما اشتدت الضغوط، ازداد الخطاب وضوحاً، وكلما أُريد لها أن تنكسر، أعادت إنتاج ذاتها بلغة جديدة وأدوات جديدة، من دون أن تتنازل عن جوهرها.. الاستقلال، والكرامة، ونصرة المستضعفين.

إن الاحتفاء بسبعة وأربعين عاماً لا معنى له إن لم يُقرأ بوصفه مسؤولية مفتوحة، لا سردية مكتملة. فالثورة ليست لحظة انتهت، بل مسارٌ يتطلب يقظة دائمة، ونقداً ذاتياً، وقدرة على التجدّد من داخل المبادئ لا على حسابها. لقد تغيّر العالم، وتبدّلت أدوات الصراع، لكن جوهر المواجهة بقي كما هو.. بين من يرى الشعوب أرقاماً في دفاتر المصالح، ومن يراها أصحاب حقٍ في وراثة الأرض وصناعة مستقبلها.

في هذا المعنى، لا يبدو “انفجار النور” حدثاً من الماضي، بل عملية مستمرة، تتحدى الحصار، وتكسر القيود، وتؤكد أن الإرادة التي تستمد قوتها من الإيمان والوعي لا تُهزم، وأن فجر السيادة الذي بزغ قبل سبعة وأربعين عاماً لم يكن ومضة عابرة، بل بداية زمنٍ جديد، ما زال مفتوحاً على احتمالات أوسع، وعلى وعدٍ لا يخلف: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات