سودان تمورو:
كما هو معلوم فإن الفساد ليس مجرد آفة من آفات الدولة، بل هو الآفة الأم، والخطر الأكبر الذي يهدد بقاء الأوطان، لأنه لا يكتفي بإهدار الموارد، بل يقتل الأمل نفسه، حتى في أحلك ظروف الشح والعوز. فالدول لا تنهض بكثرة المال وحدها، بل بحسن توظيف القليل المتاح، وبإدارته بعدالة وكفاءة وانضباط، غير أن الفساد حين يستشري، لا ينتظر نضج الثمار، بل يقطفها وهي خضراء، فيُهلك الحرث والنسل، ويعطّل دولاب العمل، ويحوّل الدولة إلى جسد منهك ينزف بلا توقف.
في هذا السياق لا يمكن قراءة استقالة الدكتورة سلمى عبد الجبار من مجلس السيادة بوصفها إجراءً إدارياً عادياً أو تصرفاً شخصياً معزولاً، بل بوصفها حلقة كاشفة في سلسلة طويلة من اختلال العلاقة بين السلطة والقانون. فالقضية التي فجّرت الجدل، والمتعلقة باستغلال النفوذ في ملف أراضٍ استثمارية بولاية الخرطوم، أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً.. هل الدولة في السودان تحكمها اللوائح والمؤسسات، أم تحكمها شبكة المصالح والامتيازات؟
قبول رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لهذه الاستقالة جاء تحت ضغط إعلامي وشعبي واضح، بعد أن تحولت واقعة إيقاف مدير أراضي محلية الخرطوم، آيات الله محمد المأذون، من مسألة إدارية إلى رمز لمعادلة مختلّة، يُعاقَب فيها الموظف النزيه لأنه تمسّك بالقانون، بينما يُمنح صاحب النفوذ فرصة الالتفاف والتجاوز. ولم يكن الاعتذار اللاحق وإعادة الموظف إلى منصبه إلا دليلاً إضافياً على أن ميزان العدالة لا يستقيم في العادة إلا عندما يُسلَّط عليه ضوء الإعلام.
هذه الحادثة ليست استثناءً، بل انعكاس صادق لمرض بنيوي ظل ينخر جسد الدولة السودانية لعقود. فالسبب الأكبر لسقوط نظام “الإنقاذ” لم يكن فقط الصراع السياسي، بل تصالحه الصريح مع الفساد، حتى صار جزءاً من آلية الحكم. لم يستفد الشعب من عائدات النفط، ولا من ثروة الذهب، لأن “القطط السمان” لم تشبع، بل تمددت، وزاحمت المواطن البسيط في السيولة النقدية، وخلقت أزمة “الكاش” الخانقة، التي كانت واحدة من أهم العوامل التي دفعت الشارع للاصطفاف مع المعارضة والاستجابة لنداءات الخروج على النظام.
واليوم تتكرر المأساة بوجوه جديدة وأساليب أكثر التفافاً. فإسناد صيانة جسر الحلفايا بعقد يناهز 11 مليون دولار، من دون عطاءات معلنة، وفي ظل ارتباط الشركات المنفذة بالنظام السابق، لا يمكن فهمه إلا باعتباره نموذجاً صارخاً لاقتصاد الظل، حيث تُدار الصفقات الكبرى خلف الأبواب المغلقة، ثم يُترك الرأي العام لملاحقة التفاصيل عبر التسريبات والتبريرات المتأخرة. كما أن إقرار عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام، إبراهيم جابر، بتعليق أعمال لجنة تهيئة الخرطوم، وحديثه عن “وزير كبير” متورط في تأجير عقارات وزارية بالدولار، يكشف أن الفساد لم يعد محصوراً في الهامش، بل تمدد إلى قلب الجهاز التنفيذي نفسه.
الأخطر من ذلك أن ما كُشف من ملفات لم يظهر بفضل منظومة رقابية قوية، بل بفضل صحافة استقصائية وموظفين شرفاء خاطروا بمواقعهم وربما بأمنهم الوظيفي. هذه المفارقة المؤلمة تقول الكثير عن واقع الدولة.. الفساد يُمارس في العلن، ويُدار بثقة، بينما تُحاربه قلة في الخفاء. ومع ذلك، فإن الضغط الإعلامي الذي أدى إلى نفي متعجل، أو استقالة، أو إحالة بعض الملفات إلى المراجع العام، يظل مناخاً إيجابياً ينبغي دعمه، لا محاصرته.
صحيح أن الفساد، وقد تفشى من أعلى رأس الهرم إلى أدنى درجات السلم الوظيفي، يجعل محاربته الشاملة مهمة بالغة الصعوبة، تكاد تلامس المستحيل، لكن الأمل يظل قائماً. فكل ملف يُفتح، وكل مسؤول يُحرَج، وكل استقالة تأتي تحت ضغط الرأي العام، هي شق صغير في جدار سميك، لا ينهار دفعة واحدة، بل يتآكل بالتراكم.
من هنا فإن استقالة سلمى عبد الجبار، مهما كانت دلالتها السياسية، لا تكفي وحدها، ولا ينبغي تقديمها للرأي العام باعتبارها نهاية القصة. المعركة الحقيقية لا تبدأ بقبول الاستقالات، بل بتفكيك البيئة التي تنتج الفساد وتحميه. وإذا كان الفريق أول عبد الفتاح البرهان يريد أن يختم فترته على رأس الدولة بشيء يتذكره به الشعب، فلن يكون ذلك بإدارة الأزمات، بل بإطلاق برنامج واضح وجاد لمكافحة الفساد المالي والإداري، يبدأ من القمة قبل القاعدة، ويُفعّل مبدأ المحاسبة، ويطلق يد الإعلام بدلاً من تقييدها، ويحمي الموظف النزيه بدلاً من تركه فريسة للانتقام الإداري.
إن فتح ملفات فساد مكتب رئيس الوزراء، ودور ما يُعرف بـ“الحفيان”، والاستجابة لما ظل يطرحه الصحفي عزمي عبد الرازق مراراً، ومعالجة ملف تهريب الذهب معالجة جذرية تُمكّن الدولة من الاستفادة من هذا المورد الحيوي في تعافي الاقتصاد، ليست مطالب ترفية، بل شروط بقاء لدولة أنهكتها الحرب وأفقرها النهب المنظم.
قد يرى البعض أن ما ظهر إلى العلن ليس سوى نتيجة صراع داخلي على النفوذ بين مراكز القوة، وأن بعض ملفات الفساد محمية أو مُرضىً عن منفذيها، لكن حتى في هذه الحالة، فإن كشف الفساد ــ لأي دافع كان ــ يظل أقل كلفة من التستر عليه.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى وقف شامل لإطلاق يد الفساد. لا معنى لإعادة إعمار الخرطوم، إذا كانت الجسور تُصلَّح بعقود مشبوهة، ولا قيمة لعودة المؤسسات، إذا كانت تعود بالعقلية ذاتها التي أهلكت الدولة من قبل. معركة الفساد هي المعركة الفاصلة.. إما أن نربحها، أو نعيد إنتاج السقوط مرة بعد مرة.
معاً لبناء وطن خالٍ من الفساد والمفسدين، وطن تُحترم فيه القوانين، ولا يُكافَأ فيه النفوذ على حساب النزاهة، وطن لا يحتاج شعبه إلى التسريبات ليعرف أين تذهب أمواله. هذا ليس حلماً طوباوياً، بل خياراً سياسياً واضحاً، والخيار اليوم بيد من في القمة.. إما فتح هذه المعركة حتى نهايتها، أو الاكتفاء باستقالات لا تغيّر شيئاً، بينما يستمر النزيف.
