سودان تمورو
من الغابات الموحشة إلى الأسلاك الشائكة، رحلة مميتة محفوفة بالبرد والاعتقال والسرقة. خمسة أصدقاء فقدوا حياتهم، والبرد القارس يلاحق الباقين، بينما يقاوم شباب سودانيون الصعاب من أجل الوصول إلى أوروبا. قصة آدم تكشف الوجه القاسي لهجرة الشباب نحو أوروبا.
آدم (اسم مستعار)، يبلغ من العمر 21 عامًا، غادر السودان متخفيًا بزيّ نسائي خوفًا من التعرّض للقتل على يد عصابة تنشط في نهب المواشي. وقبل فراره من البلاد، كان قد غادر قريته متجهًا إلى مدينة الجنينة هربًا من الموت، حيث صادف أحداثًا عنيفة ومروّعة قُتل خلالها والده وشقيقه.
بعد ذلك، اضطر آدم إلى مغادرة السودان، متنقّلًا عبر تشاد ثم النيجر، وصولًا إلى ليبيا، قبل أن يستقرّ أخيرًا في المغرب.
ويقول آدم لمهاجر نيوز: “اتفقنا مع مهرّبين لإيصالنا إلى الكُفرة مقابل 400 جنيه للشخص الواحد، ما اضطرنا إلى البقاء أربعة أشهر في تشاد من أجل توفير المبلغ”.
وخلال الرحلة، تعرّض آدم للاحتجاز والضرب على يد مهرّبين ليبيين، إضافة إلى الإهانة والتعذيب القاسي. ويروي أنهم كانوا يصرخون من شدّة الضرب داخل غرف الاحتجاز، قبل أن يتمكنوا في نهاية المطاف من الهرب.
بعد وصوله إلى مدينة الكُفرة، عمل آدم لمدة ثمانية أشهر في ليبيا في أعمال حرة مختلفة، كان آخرها عامل بناء، إلا أنه لم يكن يتقاضى أجره بعد انتهاء العمل، بل كان يتعرّض للضرب والسرقة، ما دفعه في النهاية إلى اتخاذ قرار مغادرة ليبيا والتوجّه نحو المغرب.
ويصف آدم الطريق من ليبيا إلى المغرب بأنه “جحيم حقيقي”. فبعد وصولهم إلى الجزائر، تعرّضوا للاعتقال من قبل حرس الحدود الجزائري، وتم ترحيلهم إلى منطقة حدود النيجر في الصحراء. ويؤكد أن الاعتقال تكرر عدة مرات، حيث صودرت هواتفهم والمبالغ المالية التي كانت بحوزتهم، وحتى الملابس التي كانوا يرتدونها، وتم تجريدهم منها، في ظل برد قاسٍ جدًا.
تعرّض آدم للاحتجاز والضرب على يد مهرّبين ليبيين، إضافة إلى الإهانة والتعذيب القاسي
تعرّض آدم للاحتجاز والضرب على يد مهرّبين ليبيين، إضافة إلى الإهانة والتعذيب القاسي
ويضيف أنهم لم يستعينوا بأي مهرّب خلال رحلتهم من ليبيا إلى الجزائر، بل تنقلوا سيرًا على الأقدام فقط، وكانوا بأعداد كبيرة، وغالبًا ما نفدت منهم مياه الشرب. كما أشار إلى أن استخدام وسائل النقل داخل الجزائر كان شبه مستحيل، إذ كان يعرّضهم مباشرة للاعتقال.
رحلة محفوفة بالمخاطر
أكد آدم لمهاجر نيوز أنه يعاني من آثار البرد الشديد الذي تعرّض له أثناء العيش في الغابة، إضافة إلى إصابة في رجله، بعدما تفاقم الوضع بسبب السيول والأمطار الغزيرة التي اجتاحت المغرب.
وأضاف أنه يحاول إيجاد أي موعد لدخول المستشفى لأنه مريض، لكن الوصول إلى الأطباء “ليس سهلًا على الإطلاق”، حتى في حال كانت الحالة الصحية خطيرة. كما أشار إلى أنه تعرّض لسرقة هاتفه، ولم يتمكن من تقديم بلاغ رسمي لعدم توفر محامٍ لديه، مؤكدًا أن الوضع في المغرب “صعب جدًا”.
ويرى آدم أن فرص العمل في المغرب ضئيلة للغاية، وحتى في حال العثور على عمل فإنه بالكاد يكفي لتأمين الطعام، ما يدفع كثيرًا من المهاجرين إلى اللجوء للعيش في الغابات بعيدًا عن الأجهزة الأمنية، أملًا في الوصول إلى أوروبا.
ويضيف أن الأمطار كانت غزيرة والسيول قوية، ورغم ذلك تمكنوا من الوصول إلى السلك الحدودي المغربي. وتمكنت الشرطة من إعادة اثنين كانا في حالة إعياء شديد، بينما اختبأ الباقون حتى حلول الليل، ثم قاموا بقطع السلك.
أحلام التعليم والمعاناة
ويؤكد أنهم نجحوا في اجتياز السلك التابع للاتحاد الأوروبي ثم السلك الإسباني، إلا أن القوات الإسبانية ألقت القبض عليهم لاحقًا وسلّمتهم إلى الشرطة المغربية، التي أعادت ترحيلهم إلى منطقة توردات.
ويقول آدم: “أنا لا أستطيع العودة إلى السودان، فلا توجد مدينة يمكنني العيش فيها. منطقتي تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، وقد تشتّتت قبيلتي بالكامل”.
وأثناء بقائهم في الغابة عقب الأمطار الغزيرة والفيضانات، عُثر على خمس جثث لشباب كانوا من أصدقائه. ويؤكد أنه تعرّف عليهم من خلال صور عرضتها عليه الشرطة المغربية، مشيرًا إلى أنهم توفّوا بسبب البرد القارس خلال أيام الأمطار.
ويشير آدم إلى أنه كان طالبًا قبل اندلاع النزاع، ويحلم بإكمال تعليمه والعمل لمساعدة أسرته، إلا أن الحرب أوقفت مسيرته التعليمية، في وقت أصبحت فيه أسرته في أمسّ الحاجة إلى دعمه، ما يجعله عاجزًا عن العودة لكونه المعيل الوحيد لها.
ويختم آدم بالقول إن المغرب “ليس بلدًا يتمنى لأي شخص الهجرة إليه أو اتخاذه طريقًا نحو أوروبا”، لما يرافق ذلك من معاناة قاسية، تشمل الموت والضرب والإهانة.
