الثلاثاء, فبراير 17, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيمعتقل غوانتنامو: كيف صنعت واشنطن مكاناً خارجاً عن القانون؟ أحمد الفخراني

معتقل غوانتنامو: كيف صنعت واشنطن مكاناً خارجاً عن القانون؟ أحمد الفخراني

سودان تمورو

في حزيران/يونيو من العام 1898، ومع اقتراب الحرب الأميركية – الإسبانية من نهايتها، رُفع العلم الأميركي لأول مرة فوق خليج غوانتنامو في جنوب شرق كوبا.

بدا المشهد، في الصور المعاصرة له، وكأنه لحظة تحرير: جنود أميركيون يطردون الاستعمار الإسباني باسم استقلال الجزيرة. وقد عزّز هذا الانطباع تعهّد الكونغرس الأميركي، عبر ما عُرف بـ”تعديل تيلر”، بأن الولايات المتحدة لا تنوي حكم كوبا أو ضمها، وأن وجودها العسكري مؤقت.

لكن تلك اللحظة، التي قُدّمت بوصفها فاتحة استقلال، سرعان ما تحوّلت إلى مدخل لعلاقة غير متكافئة طويلة الأمد، كانت غوانتنامو أحد أكثر تجلياتها فجاجة.

بعد انتهاء الحرب وُضعت كوبا تحت إدارة عسكرية أميركية مباشرة. ورغم إعلان الجمهورية الكوبية رسمياً عام 1902، جاء الاستقلال مشروطاً. فقد أُجبرت النخبة السياسية الكوبية على إدراج “تعديل بلات” في الدستور، مانحاً واشنطن حق التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد، وملزماً هافانا بتأجير أراضٍ لإقامة قواعد عسكرية أميركية.

هكذا وفي العام 1903، وُقّعت اتفاقية الإيجار الخاصة بغوانتنامو: مساحة تقارب 117 كيلومتراً مربعاً تُؤجَّر للولايات المتحدة مقابل مبلغ رمزي سنوي، ومن دون تاريخ انتهاء إلا بموافقة الطرفين. عملياً، كان هذا تنازلاً دائماً عن السيادة، أُضفي عليه غلاف قانوني.

حتى حين تخلت واشنطن رسمياً عن “تعديل بلات” عام 1934 في إطار سياسة “الجار الصالح”، احتفظت بغوانتنامو. وبعد عقود، ثبّت قانون هيلمز – بورتون عام 1996 هذا الواقع حين ربط أي حديث عن إعادة القاعدة بتغيير النظام السياسي في كوبا. هكذا وُلدت غوانتنامو من خطاب تحرير، لكنها استقرّت كأداة هيمنة، وقاعدة أميركية دائمة داخل دولة مستقلة.

عدوّ خلف الأسلاك: غوانتنامو في الحرب الباردة
أعادت ثورة فيدل كاسترو عام 1959 تعريف موقع غوانتنامو. فبعد أن كانت قاعدة في “جزيرة صديقة”، توجّهت فجأة إلى قلب عداوة أيديولوجية. في السنوات الأولى، ظل آلاف الكوبيين يعملون داخل القاعدة، يعبرون يومياً البوابات لكسب أجور أعلى مما توفره الدولة الجديدة. لكن القطيعة السياسية سرعان ما أغلقت هذا الهامش. قُطعت العلاقات الدبلوماسية عام 1961، وأُغلقت البوابات، ومنعت هافانا توظيف أي عمال جدد. وبمرور الوقت، تقلّص عدد العمال الكوبيين إلى حفنة قليلة، تقاعد آخرهم عام 2012.

في المقابل، أعادت الولايات المتحدة هندسة القاعدة بوصفها “جزيرة أميركية مكتفية ذاتياً”. زُرعت الألغام على جانبي الحدود، وأُقيم ما عُرف بـ”ستار الصبّار” بطول 13 كيلومتراً، ليصبح محيط القاعدة أحد أكثر المناطق تحصيناً في نصف الكرة الغربي. داخل الأسلاك، استمرت حياة أميركية شبه طبيعية: كنائس، سينمات، ملعب غولف، ومطاعم للوجبات السريعة. وخارجها مباشرة، حقول ألغام وخنادق وحراسة مسلحة. وصف صحفي من ناشيونال جيوغرافيك عام 1961 المكان بأنه “معسكر اعتقال فردوسي”، في مفارقة تختصر طبيعة غوانتنامو خلال الحرب الباردة.

بلغ التوتر ذروته في شباط/فبراير عام 1964، حين رد كاسترو على احتجاز صيادين كوبيين بقطع المياه العذبة عن القاعدة. لم تتراجع واشنطن. فُرض تقنين قاسٍ، نُقلت المياه بحراً، وبُنيت محطة تحلية، وأُمر بقطع الأنبوب القادم من كوبا علناً. كان ذلك إعلاناً صريحاً بأن القاعدة قادرة على البقاء، ولو معزولة بالكامل عن محيطها الجغرافي.

غوانتنامو ومعتقلو ما بعد 11 سبتمبر
في 11 كانون الثاني/يناير 2002، حطّت أول طائرة عسكرية تقل معتقلين مقيدين ومعصوبي الأعين في قاعدة غوانتنامو، مفتتحة فصلاً جديداً غير مسبوق في تاريخها.

خلال أسابيع، تم نقل مئات من المشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة أو حركة طالبان الذين اعتقلوا في أفغانستان وباكستان إلى هذا الموقع النائي. قررت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الإبن آنذاك أن هؤلاء المعتقلين لن يُعاملوا كأسرى حرب بموجب اتفاقيات جنيف ولا كمُتهمين يخضعون للقضاء المدني الأميركي، بل صُنّفوا ضمن فئة جديدة مثيرة للجدل هي “المقاتلون الأعداء غير الشرعيين”.

عبر هذا التحايل القانوني، سعت واشنطن لحرمان المعتقلين من معظم الحمايات الحقوقية والقانونية: فاعتُبر أنه يمكن احتجازهم لأجل غير مسمى من دون توجيه تهم رسمية أو محاكمة عادلة، ومن دون حق الاطلاع على الأدلة أو مقابلة محامين في البداية.

وقد انتقدت منظمات إنسانية هذا الوضع بوصفه “ثقباً أسود قانونياً” تعمّدته حكومة تدّعي ريادة حقوق الإنسان.

في الأشهر الأولى، وُضع المعتقلون في معتقل “كامب إكس-راي” مجدداً، حيث شوهدت صور صادمة لعشرات الرجال بزي برتقالي راكعين داخل أقفاص معدنية في العراء تحت شمس حارقة وحراسة مشددة – مشاهد أيقونية صدمت العالم وأكدت الطبيعة غير الاعتيادية للمكان.

وبحلول ربيع 2002، أنشأ الجيش الأميركي مجمعاً أكثر ديمومة هو “كامب دلتا” المكوّن من معسكرات عدة فرعية مغلقة، نُقل إليه المعتقلون ليصبح مركز الاحتجاز الرئيسي. كما خُصص جزء منفصل باسم كامب إيغوانا لاحتجاز الأطفال الأسرى الذين لم تتجاوز أعمار بعضهم 15 عاماً، في سابقة مروعة لاحتجاز قُصّر في ظروف عسكرية.

مع مرور السنوات، تحول معتقل غوانتنامو إلى معضلة سياسية وقانونية للولايات المتحدة. فالمكان الذي اختير لعزل المعتقلين تعسفاً عن القضاء الأمريكي، أصبح محط أنظار القضاء الدولي والرأي العام العالمي.

حاولت إدارة بوش إقامة منظومة لجان عسكرية خاصة لمحاكمة عدد محدود من المعتقلين بتهم الإرهاب أمام قضاة عسكريين في القاعدة نفسها في ما سُميَّ “كامب جستس” – وهي مجموعة قاعات محكمة مؤقتة أُقيمت في طرف القاعدة.

لكن هذه المحاكم الاستثنائية حققت نتائج هزيلة جداً. فعلى مدار ما يزيد عن 20 عاماً، لم يُدان بواسطة اللجان العسكرية سوى عدد ضئيل من المعتقلين مقارنةً بما كان في المعتقل من مئات السجناء. كثير من القضايا انهارت بسبب انكشاف أدلة تم الحصول عليها تحت التعذيب أو بسبب عراقيل إجرائية، واضطرت الحكومة لإطلاق سراح أو نقل غالبية المحتجزين من دون أي محاكمة بعدما قضوا سنوات طويلة رهن الاعتقال.

من أصل نحو 780 معتقلاً مروا على غوانتنامو منذ العام 2002، أُطلق سراح أو نُقل (إلى دول أخرى) نحو 756 معتقلاً من دون إدانات. أما من تبقى منهم، وهم بضع عشرات فقط اليوم، فكثير منهم لم توجه لهم تهم قط ولكنهم بقوا عالقين في حالة انتظار لا تنتهي.

إلى جانب ذلك، تبرز مسألة التكلفة الباهظة لهذا المعتقل. فقاعدة غوانتنامو تحولت إلى منشأة أمنية معقدة تتطلب الآلاف من الجنود والحراس وموظفي الاستخبارات والخدمات اللوجستية لخدمة عدد متناقص من السجناء. قدّرت تقارير في عام 2022 أن الولايات المتحدة تنفق سنوياً أكثر من 540 مليون دولار لإبقاء أقل من 40 معتقلاً في غوانتنامو.

هذه كلفة مذهلة تعني إنفاق نحو 14 مليون دولار سنوياً على كل معتقل واحد، مقارنةً بنحو 34 ألف دولار فقط سنوياً لتأمين سجين في سجن فدرالي داخل الأراضي الأميركية. هذا الفارق الشاسع في الموارد – إلى جانب سجل المحاكمات الهزيل – أثار انتقادات حتى داخل الولايات المتحدة بأن غوانتنامو لم يعد مجرد معضلة حقوقية، بل أيضاً عبء مالي وأمني بلا جدوى تذكر.

مرآة التناقضات الأميركية
بعد أكثر من قرن على تأسيسها، تغدو قاعدة غوانتنامو أشبه بمرآة مكثفة لتناقضات القوة الأميركية وسياساتها. فهي المكان الذي تكررت فيه أنماط تاريخية من بسط الهيمنة العسكرية على أرض دولة أضعف باسم “حمايتها”، ومن إدارة تدفقات بشرية مهاجرة عبر وسائل احتجاز استثنائية خارج الحدود، وأخيراً احتجاز “أعداء” بلا حقوق في حرب مفتوحة على “الإرهاب”.

في غوانتنامو، نجد امتداداً لماضي الإمبريالية العسكرية (كما في معاهدة 1903 الجائرة) متقاطعاً مع حاضر “الحرب على الإرهاب” حيث علّقت قواعد القانون.

لقد وصف خبراء أمميون القاعدة بأنها “بقعة سوداء” تشوه سجلّ الولايات المتحدة وتقوض “مصداقية” التزامها المعلن بسيادة القانون وحقوق الإنسان. فكيف تقنع واشنطن العالم بوجوب احترام الدول الأخرى لحقوق الإنسان وهي نفسها تحتفظ منذ 20 عاماً بمعتقل يُسمى عالمياً رمزاً للانتهاكات؟

لقد أصبح استمرار عمل غوانتنامو – برغم تقلص عدد نزلائه إلى بضعة عشرات – عبئاً “أخلاقياً” و”سياسياً” ثقيلاً. ورغم وعود إدارات أميركية متعاقبة بإغلاقه، لا يزال المعتقل قائماً حتى اليوم، يكلف الخزانة مئات الملايين.

كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات