سودان تمورو
في زحمة التحليل لما ينتظر منطقة الشرق الأوسط، بعد تدفق حاملات الطائرات والمدمرات الأميركية إلى بحرَي العرب والأحمر وخليجَي فارس وعدن، وإجراء “إسرائيل” مناورات عدة تحاكي حرب الـ 12 يوماً، وتحضير جبهتها الداخلية لأسوأ السيناريوهات، بالتزامن مع انعقاد جلسة التفاوض السادسة بين الولايات المتحدة وإيران، في السادس من الشهر الجاري، والتي تأخرت عن موعدها الأصلي (15 حزيران/يونيو الماضي) 235 يوماً، بسبب الحرب المذكورة، ومسارعة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى زيارة واشنطن والاجتماع مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لمدة أطول من المتوقع، بعيداً عن الإعلام، سبقت جولة المفاوضات المرتقبة في جنيف، يوم الثلاثاء القادم، تُطرح أسئلة عديدة:
لماذا هذا الحشد العسكري في المنطقة، وهو الأول من نوعه منذ الحشد الذي سبق غزو العراق 2003، وهل يقتصر دوره في كونه عنصر ضغط على المفاوض الإيراني؟ ولماذا تتحسب “إسرائيل” للأسوأ، واضعة حتمية فشل المفاوضات والعودة إلى الحرب على الطاولة الأميركية؟ وهل سيتمكن ساكن البيت الأبيض من التوفيق بين الخطوط الحمر الإسرائيلية والإيرانية من جهة، وتحقيق مصلحة الولايات المتحدة الداخلية والخارجية من جهة ثانية؟
يقودنا هذا الواقع المعقد إلى خمسة سيناريوهات على الأقل
الأول: تذليل كل الموانع والعوائق أمام المفاوضات، وإبرام اتفاق جديد بين واشنطن وطهران، يتميز عن اتفاق 2015، سواء من ناحية “صفر” تخصيب أو تجميد التخصيب لسنوات عدة داخل الجمهورية الإسلامية، مع احتفاظ الأخيرة بهذا الحق. أو تخصيب أقل من نسبة 3.7% المسموح بها في الاتفاق السابق، مع إعطاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية مزيداً من صلاحيات الرقابة وتطعيمها بمراقبين أميركيين.
هذا، إضافة إلى ربط الاتفاق بتمتع الشركات الأميركية بالأفضلية عن الشركات الأجنبية الأخرى، وحصولها على حصة الأسد من الاستثمارات الواعدة في دولة تعدّ الأكثر عذرية من بين دول العالم أجمع. وهذا السيناريو نسبة التوقع فيه دون ال 50%.
الثاني: إبقاء الوضع على ما هو عليه، واستمرار التفاوض بالتوازي مع التهديد بالحرب، وهذا ما يرضي الكيان العبري إذا لم تتوفر له ظروف جر الولايات المتحدة إلى حرب إقليمية. بحيث يبقى الحصار على إيران قائماً، على أن لا تعطى فترة استراحة لتستعيد عافيتها، ويبقى أيضاً ضغط الشارع المنهك اقتصادياً ومعيشياً جاثماً على صدر الحكومة المحدودة في خياراتها في اجتراح الحلول.
الثالث: بالرغم من تأكيد الجمهورية الإسلامية، من رأس الهرم إلى أصغر مسؤول فيها، أنها سوف تذهب إلى حرب واسعة أو إقليمية عند أول ضربة عسكرية تستهدف أراضيها، وأن سيناريو الردود الرمزية لم يعد وارداً في قاموسها، ثمة من يعتقد في واشنطن أن طهران قد تعود إلى ممارسة الردود الرمزية، على غرار الرد على اغتيال اللواء قاسم سليماني في 8 كانون الثاني/يناير 2020، أو الرد الأخير على “مطرقة منتصف الليل” في 23 حزيران/ يونيو الماضي.
الرابع: ذهاب الولايات المتحدة إلى “أيام قتالية” مع الجمهورية الإسلامية، بحيث تبدأ الأولى باستهداف مواقع عسكرية وأمنية استراتيجية ومصانع ومخازن الصواريخ الباليستية والمسيرات، وترد الثانية بما تملك من قوة على القطع البحرية والقواعد الأميركية في الخليج، وضرب “إسرائيل” أيضاً، حتى لو لم تدخل الحرب. في ظل رهان أميركي على وسائط دفاع متطورة حديثاً، تحول دون وصول الصواريخ والمسيرات الانتحارية الإيرانية إلى أهدافها. ومن ثم يدعو ترامب إلى وقف الحرب وتوافق إيران تجنباً إلى ما لا تحمد عقباه.
الخامس: إذا أقدمت الولايات المتحدة على ضرب إيران، وفشلت رهاناتها التي أشرنا إليها آنفاً، سوف نكون أمام السيناريو الأسوأ، وهو اندلاع حرب إقليمية تشترك فيها كل قوى الحليفة للأخيرة، لا سيما “حزب الله” في لبنان والفصائل المسلحة العراقية. ساعتئذِ، لا أحد يمكنه أن يتوقع إلى أين ستذهب الأمور.
باحث في الشؤون الإقليمية.
