سودان تمورو:
ليس السؤال عن شكل الدولة ترفاً فكرياً، ولا المقارنة بين النظم السياسية تمريناً نظرياً بارداً، بل هو في جوهره سؤال وجودي يتكرر كلما ضاقت معيشة الناس أو اهتزت كرامتهم.. ماذا يريد الشعب من حكومته؟ ما الذي يجعل المواطن ينام مطمئناً، ويفتخر بانتمائه، ويشعر أن صوته ليس هامشاً في معادلة السلطة؟
جرت العادة أن تختار الشعوب حكوماتها – أو تُفرض عليها – لتدير شؤونها، ترسي الأمن، وتحسن الاقتصاد والخدمات. بعض الحكومات تنجح نجاحاً يكاد يلامس الكمال، وبعضها يفشل فشلاً ذريعاً، وأخرى تتأرجح بين نجاح نسبي وإخفاق نسبي. غير أن معيار الحكم الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بثلاثة أعمدة واضحة.. اقتصاد يكفي الناس ويزيد قليلاً، مكانة دولية تمنحهم العزة، ونظام سياسي يشعرهم أنهم شركاء لا رعايا.
أول هذه الأعمدة هو الاقتصاد. فالإنسان البسيط لا يريد معجزة مالية، بل يريد دخلاً يتناسب مع احتياجاته اليومية، بل يزيد عليها شيئاً يتيح له قدراً من الرفاهية. الاقتصاد القوي ليس مجرد أرقام في التقارير، بل هو قدرة المواطن على أن يسد حاجته دون إذلال، وأن يحلم دون خوف من فاتورة آخر الشهر. في منطقتنا يمكن استحضار نموذجين مختلفين.. نموذج السعودية ونموذج إيران. في الأولى يتمتع المواطن برواتب مرتفعة نسبياً، وعملة قوية، وقدرة شرائية تسمح بالسفر والادخار وأنماط حياة مرفهة. وفي الثانية ورغم ضعف الرواتب وتحديات العملة، تبقى كلفة الحياة أقل نسبياً، بما يجعل الراتب المحدود قادراً على تغطية الاحتياجات الأساسية وبعض جوانب الرفاهية. المفارقة هنا أن القيمة ليست في حجم الرقم، بل في قدرته على تلبية الحاجة. قد يختلف الطريق، لكن النتيجة المعيشية – من زاوية الاكتفاء الأساسي – تبدو متقاربة.
أما العمود الثاني فهو المكانة الدولية. فالمواطن لا يعيش بالخبز وحده؛ إنه يحتاج إلى شعور بالعزة والانتماء لدولة ذات وزن. في الحالة السعودية، تقوم السياسة الخارجية على تحالف استراتيجي وثيق مع الولايات المتحدة الأمريكية، ما يمنح الرياض نفوذاً إقليمياً وحضوراً في النظام الدولي القائم. البعض يرى في هذا التحالف قوة وحماية وتأثيراً، والبعض الآخر يراه ثمناً يُدفع على حساب الاستقلال الكامل. في المقابل تتبنى إيران خطاب الاستقلال ومناهضة الهيمنة، وترفع منذ ثورة عام 1979 شعار “لا شرقية ولا غربية”، معتبرة أن العزة تكمن في القرار السيادي غير الخاضع للإملاءات. وهنا ينقسم تقييم المواطن تبعاً لتعريفه للكرامة.. أهي في التحالف مع القوة الكبرى والاستفادة من مظلتها، أم في الوقوف نداً أمام الإستكبار العالمي؟
يبقى العمود الثالث وهو الأكثر حساسية.. طبيعة النظام السياسي ومقدار مشاركة الشعب فيه. الحكومة الممتازة – في وعي الشعوب الحديثة – هي التي يشعر فيها الإنسان أنه شريك في الاختيار، لا مجرد متلقٍّ للقرارات. في إيران شارك المواطنون في استفتاء عام 1979 لاختيار النظام السياسي، ومنذ ذلك الحين ينتخبون رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان، كما ينتخبون مجلس الخبراء الذي يملك صلاحيات دستورية تتصل بأعلى منصب في الدولة. هذا يمنح شريحة واسعة من الإيرانيين شعوراً بأن لهم صوتاً في إدارة الشأن العام. أما في السعودية فالنظام ملكي، ولا يختار المواطن رأس السلطة التنفيذية، ولا يملك آلية انتخابية لتغيير القيادة السياسية. هنا يبدو الفارق واضحاً بين نموذج يقوم على الانتخابات الدورية، ونموذج يقوم على الوراثة السياسية.
عند جمع الخيوط تتشكل صورة مركبة.. في الجانب الاقتصادي، ثمة تقارب نسبي في تحقيق الحد الأدنى من متطلبات العيش وإن اختلفت الأدوات. في جانب الاستقلال الدولي، يتقدم النموذج الإيراني من زاوية من يرى العزة في القرار السيادي الصِرف، بينما يتقدم النموذج السعودي من زاوية من يرى القوة في التحالف مع القطب العالمي الأبرز. وفي جانب المشاركة السياسية فإن مساحة الانتخاب في إيران متفوقة مقارنة بالنظام الملكي في السعودية.
غير أن السؤال الأكبر يظل معلقاً فوق الجميع.. هل يكفي الخبز بلا كرامة؟ وهل يمكن أن يشعر الإنسان بالعزة إذا كان صوته غائباً عن صناعة القرار؟ ما يريده الشعب من حكومته – في جوهر الأمر – ليس المستحيل، بل المعقول المتوازن: اقتصاد يعينه ولا يستنزفه، سياسة خارجية تمنحه شعوراً بالعزة لا التبعية العمياء، ونظام حكم يشعره أنه شريك لا تابع. هناك فقط، حين تجتمع هذه الثلاثية في حدّها المقبول، يتحول الرضا الشعبي من حلم مؤجل إلى واقع ملموس، وتتحول الدولة من سلطة فوق المجتمع إلى عقد ثقة بين الحاكم والمحكوم.
