الخميس, أبريل 16, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيحين تبحث واشنطن عن "زيلنسكي" لترميم هيبتها المكسورة!.. بقلم خالد صديق

حين تبحث واشنطن عن “زيلنسكي” لترميم هيبتها المكسورة!.. بقلم خالد صديق

سودان تمورو

في لحظات التحول الكبرى في التاريخ الدولي، لا تُقاس قوة الإمبراطوريات بعدد حاملات الطائرات أو بحجم ترساناتها العسكرية فحسب، بل بقدرتها على الحفاظ على الهيبة السياسية التي تجعل الآخرين يتصرفون وفق إيقاعها من دون إكراه مباشر. وحين تبدأ هذه الهيبة بالتآكل، يتحول المشهد الدولي إلى ما يشبه المسرح المرتبك، حيث تتكاثر الخطب الصاخبة والوجوه المستعارة في محاولة يائسة لترميم صورة القوة. هنا تحديداً يتجلى المعنى العميق للآية القرآنية: “ضعف الطالب والمطلوب”؛ فالذي يطلب تثبيت نفوذه بات عاجزاً، والذي يُطلب منه أداء هذا الدور لا يملك في الأصل ما يسنده.

هذا ما يبدو واضحاً في المشهد الدولي الراهن. فواشنطن التي اعتادت لعقود أن تملي الإيقاع على العالم، وأن تحشد الحلفاء وتفرض الروايات السياسية كما تشاء، تجد نفسها اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً. لم يعد العالم ذلك الفضاء المفتوح الذي تتحرك فيه القوة الأمريكية بلا منازع، بل أصبح ساحة مزدحمة بقوى صاعدة، وتحالفات متحركة، وشعوب أكثر حساسية تجاه لغة الهيمنة.

لقد قامت الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة على معادلة بسيطة: فرض الوقائع بالقوة الصلبة، ثم تثبيت شرعيتها عبر القوة الناعمة؛ إعلاماً وتحالفات ومؤسسات دولية. غير أن السنوات الأخيرة كشفت خللاً عميقاً في هذه المعادلة. فالمشاريع الجيوسياسية التي دعمتها واشنطن في أكثر من منطقة لم تحقق النتائج التي رُسمت لها، بل أنتجت أزمات ممتدة وحروب استنزاف طويلة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول حدود القوة الأمريكية نفسها.

في غرب آسيا على وجه الخصوص، لم يعد المشروع الأمريكي ــ الصهيوني يتحرك في فراغ كما كان الحال في مراحل سابقة. فخلال العقود الماضية تشكلت قوى إقليمية قادرة على فرض معادلات ردع جديدة، الأمر الذي أربك الحسابات التقليدية في واشنطن وتل أبيب. ومع كل جولة توتر أو مواجهة تتضح حقيقة جديدة: القدرة على المبادرة لم تعد حكراً على طرف واحد، والهيمنة التي كانت تبدو مطلقة بدأت تتآكل ببطء.

أمام هذا التحول، تجد الإدارة الأمريكية نفسها في مأزق مزدوج. فمن جهة لم تعد قادرة على حشد الحلفاء بالطريقة نفسها التي كانت تفعلها في السابق. أوروبا المنهكة بالأزمات الاقتصادية والطاقة والحروب القريبة من حدودها تبدو أكثر حذراً من الانخراط في مغامرات جديدة. أما كثير من الدول العربية التي اعتادت واشنطن الاعتماد عليها في تمرير سياساتها، فهي تدرك اليوم أن البيئة الإقليمية تغيرت، وأن التوازنات الجديدة لا تسمح بالتحرك وفق منطق الاصطفاف القديم.

ومن جهة أخرى، تواجه واشنطن أزمة في خطابها السياسي نفسه. فالسردية التي كانت تقدم الولايات المتحدة بوصفها القوة التي تحمي “النظام الدولي” لم تعد تلقى القبول ذاته في عالم بات أكثر تشككاً في نوايا القوى الكبرى. ومع تراجع القدرة على الإقناع، يصبح البحث عن أدوات دعائية بديلاً مؤقتاً: وجوه سياسية يمكن أن تُستدعى إلى الواجهة لتكرار الخطاب الأمريكي في مسارح أخرى.

هنا يظهر معنى “ضعف الطالب والمطلوب” بأوضح صوره. فالطالب هو القوة العظمى التي لم تعد قادرة على فرض روايتها وحدها، والمطلوب هو تلك الشخصيات السياسية التي يُطلب منها أداء أدوار أكبر من حجمها الحقيقي. إنها علاقة هشّة من الطرفين: قوة تبحث عن من يعيد لها بريقها، وشخصيات تبحث بدورها عن حماية أو شرعية خارجية.

في هذا السياق يبرز اسم فولوديمير زيلينسكي بوصفه نموذجاً دالاً على هذا التحول. فالرجل الذي جاء إلى السياسة من عالم الكوميديا وجد نفسه فجأة في قلب حرب مدمرة، وتحول من رئيس منتخب إلى رمز دعائي في خطاب جيوسياسي أوسع. لم يعد ظهوره الإعلامي يقتصر على مخاطبة شعبه أو إدارة أزمة بلاده، بل أصبح جزءاً من حملة خطابية عالمية تُقدَّم من خلالها معارك مختلفة باعتبارها فصولاً من صراع واحد تقوده واشنطن.

لكن المفارقة أن هذه الرمزية الإعلامية تصطدم بواقع عسكري وسياسي شديد التعقيد. فالدولة التي تكافح للحفاظ على توازنها في مواجهة قوة كبرى تُستدعى في الوقت ذاته لتكون واجهة خطابية لمعركة أوسع. وهنا يتجلى التناقض: كيف يمكن لمن يعيش أزمة وجودية في بلاده أن يتحول إلى منصة لتأكيد قوة الآخرين؟

إن هذا المشهد يكشف عن أزمة أعمق من مجرد تحالفات ظرفية. فحين تضطر قوة عظمى إلى البحث في أطراف النظام الدولي عن وجوه تؤدي أدواراً دعائية نيابة عنها، فإن ذلك يعني أن مركز الثقل نفسه بدأ يفقد قدرته على فرض الرواية. وحين تقبل تلك الوجوه بهذا الدور رغم هشاشة مواقعها الداخلية، فإنها تصبح بدورها جزءاً من معادلة الضعف نفسها.

التاريخ مليء بأمثلة مشابهة. فالإمبراطوريات حين تصل إلى لحظة التآكل لا تنهار فجأة، بل تدخل أولاً مرحلة المسرح السياسي الصاخب؛ حيث تكثر الخطب والرموز والوجوه، بينما تتراجع القدرة الحقيقية على فرض الوقائع. إنها لحظة يصبح فيها الصوت أعلى من الفعل، والضجيج الإعلامي بديلاً مؤقتاً عن النفوذ الفعلي.

ولهذا فإن ما نشهده اليوم قد يكون أحد مؤشرات التحول في بنية النظام الدولي. فالعالم يتجه تدريجياً نحو تعددية قطبية لا تستطيع فيها قوة واحدة أن تدير المسرح وحدها. وفي مثل هذا العالم يصبح الاعتماد على الواجهات الدعائية أو الشخصيات الرمزية أقل قدرة على إخفاء التحولات العميقة التي تجري تحت السطح.

في النهاية، قد تنجح المسرحيات السياسية لبعض الوقت في ملء الفراغ الإعلامي وإعادة إنتاج صورة القوة، لكنها لا تستطيع تغيير قواعد اللعبة التي بدأت تتبدل. فحين يصل المشهد إلى لحظة يصبح فيها الطالب ضعيفاً والمطلوب أضعف، فإن المشكلة لا تكون في الممثلين على الخشبة، بل في المسرح نفسه الذي لم يعد قادراً على إقناع الجمهور بأن العرض ما زال كما كان.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات