سودان تمورو
في لحظات كثيرة من التاريخ السياسي المعاصر، لا تكشف التصريحات الصادمة عن مجرد زلات لسان أو نزوات شخصية، بل تعكس عقلية كاملة ما زالت أسيرة وهم الهيمنة. هذا ما بدا جلياً في التصريحات التي أطلقها دونالد ترامب حين تحدث عن “ضرورة أن يكون له دور في اختيار القائد القادم لإيران”، متناولاً أسماء بعينها وكأن مستقبل دولة بحجم إيران يمكن أن يُدار من خلف جدران البيت الأبيض أو يُناقش في كواليس السياسة الأمريكية كما تُناقش تعيينات إدارية عابرة.
قد يبدو هذا الخطاب للوهلة الأولى أقرب إلى الاستعراض السياسي أو إلى لغة انتخابية تبحث عن الإثارة الإعلامية، غير أن التوقف عنده يكشف طبقة أعمق من التفكير الاستراتيجي الذي لا يزال يحكم جزءاً من النخبة السياسية في واشنطن. إنها عقلية الوصاية التي لم تتصالح بعد مع فكرة أن النظام الدولي لم يعد ذلك المسرح الأحادي الذي تستطيع فيه الولايات المتحدة أن ترسم حدود الشرعية السياسية للدول الأخرى، أو أن تمنح شهادات القبول والرفض لقياداتها.
فالتاريخ الحديث للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مليء بمحاولات تشكيل الأنظمة أو التأثير في مساراتها الداخلية، من الانقلابات التي دُعمت في حقب سابقة إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية التي استخدمت كأدوات لإعادة هندسة المشهد الداخلي في دول المنطقة. غير أن التجربة الإيرانية تحديداً ظلت واحدة من أكثر الحالات التي كشفت حدود هذه المقاربة. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، تشكلت بنية سياسية معقدة ومتماسكة في آن واحد، تستند إلى مؤسسات دستورية وآليات داخلية واضحة، جعلت من الصعب اختزال مستقبلها في حسابات الخارج.
لهذا تبدو تصريحات من نوع “اختيار القائد القادم” أقرب إلى تعبير عن رغبة في صناعة رواية إعلامية أكثر من كونها انعكاساً لواقع سياسي. فحين يتحدث رئيس أمريكي بهذه اللغة، فهو يخاطب في الحقيقة جمهوراً أوسع من الداخل الإيراني. إنه يخاطب أنصاره في الداخل الأمريكي، ويرسل رسائل إلى حلفاء واشنطن في الخارج، ويحاول في الوقت ذاته إثارة نقاشات داخل إيران نفسها حول مسألة القيادة والانتقال السياسي.
إنها إحدى أدوات ما يمكن تسميته “حرب الروايات”، حيث يصبح الكلام ذاته سلاحاً سياسياً. فالإيحاء بوجود قدرة أمريكية على التأثير في مستقبل دولة أخرى يهدف إلى خلق انطباع بوجود نفوذ يتجاوز الواقع الفعلي. وفي كثير من الأحيان لا يكون الهدف هو التدخل المباشر بقدر ما يكون زرع الشكوك وإثارة النقاشات التي قد تتحول لاحقاً إلى توترات سياسية أو إعلامية.
غير أن هذه الاستراتيجية تصطدم بواقع مختلف. فالمجتمعات التي مرت بتجارب صراع طويلة مع الضغوط الخارجية طورت عادةً حساسية عالية تجاه أي خطاب يحمل رائحة الوصاية أو التدخل. وفي الحالة الإيرانية تحديداً، لعبت هذه الحساسية دوراً مركزياً في ترسيخ خطاب السيادة والاستقلال السياسي، وهو خطاب أصبح جزءاً من الهوية السياسية للدولة منذ عقود.
السؤال الأهم هنا ليس ما إذا كانت مثل هذه التصريحات يمكن أن تؤثر فعلاً في المسار السياسي داخل إيران، بل لماذا تستمر بعض الدوائر السياسية في واشنطن في إنتاج هذا النوع من الخطاب. الإجابة قد تكمن في التباين بين التحولات التي يشهدها النظام الدولي وبين بقاء جزء من التفكير السياسي الأمريكي أسيراً لنماذج قديمة من الهيمنة. فالعالم الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي منح الولايات المتحدة موقع القيادة شبه المطلقة، لم يعد هو نفسه في ظل صعود قوى دولية وإقليمية جديدة وتزايد نزعات الاستقلال لدى كثير من الدول.
في مثل هذا السياق، تصبح التصريحات المثيرة للجدل أداة لتعويض التراجع النسبي في القدرة على التأثير المباشر. فحين تضيق خيارات القوة الصلبة، يتوسع استخدام الخطاب السياسي والإعلامي كوسيلة لإعادة رسم صورة النفوذ. غير أن هذا الأسلوب يحمل في طياته مفارقة واضحة: فكلما بدت التصريحات أكثر تدخلاً أو وصاية، ازدادت قدرتها على تعزيز الخطاب المقابل الذي يرفض تلك الوصاية.
لهذا يمكن القول إن الجدل الذي أثارته هذه التصريحات يكشف أكثر مما يخفي. فهو لا يعكس فقط طبيعة العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران، بل يكشف أيضاً عن صراع أوسع حول من يملك حق رسم مستقبل الدول. فبين تصور يرى العالم ساحة نفوذ تتنافس فيها القوى الكبرى على إعادة تشكيل الأنظمة السياسية، وتصور آخر يؤكد أن المجتمعات هي وحدها التي تملك حق تقرير مصيرها.
في النهاية، قد تمر هذه التصريحات كما مرت غيرها في سجل طويل من السجالات السياسية بين الولايات المتحدة وإيران. لكن قيمتها الحقيقية تكمن في أنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل ما زالت بعض العواصم الكبرى تعتقد أن زمن الوصاية لم ينته بعد؟ أم أن العالم يتجه بالفعل نحو مرحلة يصبح فيها تقرير المصير شأناً داخلياً لا يُكتب في خطابات السياسيين خارج الحدود؟
