الأحد, أبريل 12, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالإمارات بين حسابات الأمن ودوامة الصراع الإقليمي!.. بقلم خالد صديق

الإمارات بين حسابات الأمن ودوامة الصراع الإقليمي!.. بقلم خالد صديق

سودان تمورو

في الشرق الأوسط، نادراً ما تبقى الصراعات داخل حدود الجبهات العسكرية التقليدية. فالمعركة الحقيقية كثيراً ما تدور في الظلال: في غرف الفنادق، وفي مكاتب الشركات التكنولوجية، وفي شبكات المعلومات التي تمتد عبر العواصم العالمية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، بدأت الإمارات تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي الإقليمي بوصفها ساحة متقدمة لحرب استخباراتية صامتة، تتقاطع فيها المصالح الدولية مع حسابات القوى الإقليمية.

الجدل المتصاعد حول دور الإمارات لا ينفصل عن موقعها الجديد في معادلات الأمن في الشرق الأوسط. فالدولة التي بنت نموذجها على الانفتاح الاقتصادي وتحولت إلى مركز عالمي للأعمال والسياحة، وجدت نفسها في الوقت ذاته جزءاً من منظومة أمنية متشابكة تضم قواعد عسكرية غربية وشراكات استراتيجية مع قوى دولية. هذا التداخل بين الاقتصاد والأمن جعل مدنها المفتوحة – وعلى رأسها دبي وأبوظبي – بيئة جذابة ليس فقط للشركات والاستثمارات، بل أيضاً لنشاط شبكات استخباراتية متعددة الجنسيات تعمل غالباً تحت أغطية مدنية.

في هذا السياق تحديداً، بدأت تتردد في بعض وسائل الإعلام الإقليمية روايات عن عمليات استهداف غامضة طالت أفراداً يُشتبه بارتباطهم بجهات استخباراتية أجنبية كانوا يقيمون في فنادق أو يعملون تحت غطاء شركات تقنية واستشارية. هذه الروايات تُقدَّم في الخطاب السياسي بوصفها دليلاً على تصاعد “حرب الظل” داخل الخليج، وعلى أن المدن التي كانت تُعرف بكونها مساحات آمنة للأعمال والسياحة قد أصبحت أيضاً نقاط تماس غير مرئية بين أجهزة استخبارات متنافسة.

ما يضفي على هذه الروايات زخماً أكبر هو السياق السياسي الذي ظهرت فيه. فخلال السنوات الأخيرة، اتخذت الإمارات خطوات استراتيجية أعادت رسم موقعها في الخريطة الإقليمية. الانخراط في شراكات أمنية جديدة، والانفتاح على تحالفات سياسية وعسكرية أوسع، والمشاركة في ترتيبات إقليمية تتعلق بالأمن والتكنولوجيا، كلها عوامل جعلت من أبوظبي لاعباً أكثر حضوراً وتأثيراً في ملفات المنطقة، لكنها في الوقت نفسه وضعتها في قلب الاستقطاب الإقليمي المتصاعد.

منتقدو الدور الإماراتي في المنطقة يرون أن هذا التحول لم يكن مجرد إعادة تموضع دبلوماسي، بل انخراطاً فعلياً في شبكة من السياسات التي أسهمت في تعميق التوترات الإقليمية. ويشير هؤلاء إلى أن وجود قواعد عسكرية أجنبية وتعاون أمني مع أطراف دولية وإقليمية حساسة قد جعل الأراضي الإماراتية منصة لعمليات مراقبة استخباراتية وأنشطة أمنية تتجاوز حدود الدولة نفسها، وهو ما يثير قلق خصوم تلك التحالفات.

الواقع الإقليمي المعقد يجعل من الصعب الفصل بين الأمن والدور السياسي. فحين تتشابك القواعد العسكرية مع التحالفات الاستراتيجية، وحين تتحول المدن الاقتصادية العالمية إلى مراكز تلتقي فيها مصالح الاستخبارات الدولية، يصبح أي حدث غامض – مهما كان محدوداً – مادة خصبة للبحث والتحليل.

ولهذا السبب، فإن الحديث عن استهداف أفراد في فنادق أو عن نشاط شبكات استخباراتية في مدن الخليج لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الأوسع: مشهد منطقة تعيش إعادة ترتيب موازين القوة، حيث تتنافس القوى الكبرى والإقليمية على النفوذ، وتتحول العواصم الاقتصادية إلى مسارح غير معلنة لصراع النفوذ.

في نهاية المطاف تكشف هذه السجالات حقيقة أساسية عن الشرق الأوسط اليوم: أن خطوط المواجهة لم تعد مرئية دائماً. فإلى جانب الجبهات العسكرية التقليدية، هناك جبهات أخرى أقل ضجيجاً لكنها لا تقل خطورة، تدور في عالم الاستخبارات والمعلومات والتكنولوجيا. وفي هذا العالم، قد تتحول غرفة في فندق فاخر أو مكتب في شركة ناشئة إلى نقطة تماس بين مشاريع إقليمية متنافسة.

 

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات