سودان تمورو
في خضم التصعيد العسكري المحتدم، تبرز إشكالية جوهرية غابت عن صخب المعارك الميدانية المباشرة: إلى أين تتجه بوصلة الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه الحرب؟ وما هو الهدف الاستراتيجي النهائي الذي تسعيان لفرضه كأمر واقع؟ للإجابة عن هذا التساؤل المعقد، تتطلب الضرورة التحليق فوق المشهد التكتيكي، وإعادة قراءة الأهداف الكلية من زاوية استراتيجية شديدة الاتساع لكشف ما يُحاك في الغرف المغلقة.
في السيناريو الأولي الذي رُسمت ملامحه قبل اندلاع شرارة الحرب، كانت التقديرات الأميركية والإسرائيلية تستند بشكل أساسي إلى “نظرية الانهيار السريع”. ارتكزت هذه الخطة على توجيه ضربة مركزية وموجعة لهرم القيادة السياسية للنظام، بالتزامن مع تفعيل متزامن لجيوب المعارضة الداخلية. كان الرهان معقوداً على تحريك أنصار التيار البهلوي في الحواضر الكبرى، جنباً إلى جنب مع إشعال بؤر التمرد في المناطق الكردية وتحريك الجماعات المسلحة في شرق ايران. وفي ذروة هذه الفوضى المخطط لها، كان السيناريو يطمح للسيطرة على جزر استراتيجية في الجنوب ومناطق إنتاج النفط، لضمان شلل كامل لمفاصل الدولة وتطويقها جغرافياً واقتصادياً.
لقد بُنيت هذه التقديرات على فرضية اعتبرت أن منسوب الغضب الشعبي، لا سيما بعد الأحداث المريرة التي شهدتها البلاد في أواخر ديسمبر قد بلغ ذروته، وأن اندلاع العمليات العسكرية سيُشعل تلقائياً شرارة انتفاضة مجتمعية عارمة تتناغم مع التدخل الخارجي. لكن رياح الواقع الميداني والاجتماعي جرت بما لا تشتهي سفن المخططين؛ إذ لم يتحقق هذا التنبؤ على الأرض.
فبعد استهداف المرشد الأعلى آية الله خامنئي، وتصاعد الانتهاكات التي ارتقت لمستوى جرائم الحرب في مناطق مثل “ميناب”، انقسم الرأي العام الإيراني وتجلت ديناميكيات اجتماعية غير متوقعة. ورغم بقاء شريحة مجتمعية تحت وطأة الحرب النفسية والإدراكية الشرسة التي يشنها المحور المضاد، إلا أن الكتلة الأكبر -بما فيها الموالون للنظام، وتلك الشريحة التي لا تكنّ ولاءً سياسياً بالضرورة للجمهورية الإسلامية ولكنها تمقت فكرة الحرب والعنف- اصطفت في خندق الحفاظ على ثبات الدولة، مدفوعة بغريزة البقاء ورفض الانزلاق نحو التدمير الشامل.
إن نجاح النظام الإيراني في امتصاص الصدمة الأولى والحيلولة دون تحول المدن إلى ساحات لحرب شوارع طاحنة، أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن واشنطن وتل أبيب، وبعد مرور نحو ١٢ أيام على بدء الحرب، قد طوتا صفحة الانهيار السريع وانتقلتا قسراً إلى “الخطة باء” (Plan B).
تعتمد هذه الخطة البديلة في جوهرها على عقيدة “الاستنزاف البطيء” وتآكل القدرات القومية بشكل تدريجي. يتجلى الهدف هنا في شن حملات جوية وبحرية منهجية ومكثفة لضرب البنية التحتية العسكرية، بدءاً من سلاح الجو والقوات البحرية والقواعد العسكرية، وصولاً إلى شل قطاعات حيوية في الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. الغاية الاستراتيجية من هذا المسار هي إجبار ايران، وهي في أضعف حالاتها، على قبول وقف إطلاق نار بشروط إملاءات قاسية، تُفرض على حكومة منهكة ومستنزفة.
في ظل هذا المشهد، تتحول الدولة عملياً إلى “كيان شبه مشلول”. فمن جهة، تُدمر مقدراتها الاقتصادية، وخاصة في قطاعي النفط والغاز، لتجفيف منابعها المالية، ومن جهة أخرى، تُجرد من أنيابها العسكرية وقدرتها على الردع. ما سيستمر في هذا السيناريو هو تطبيق ما يُعرف عسكرياً بـ”استراتيجية جز العشب”: ضربات استباقية ومتقطعة تحول دون أي محاولة لترميم القوة أو استعادة التوازن. بعبارة أخرى، الهدف هو تحويل مدن كبرى مثل طهران إلى حالة من الاستهداف الدائم، واستنساخ نماذج كنموذج بيروت تاريخياً؛ حيث يتم التقويض الدائم لسيادة الدولة وقدرتها على الحكم، دون الحاجة إلى التورط في وحل احتلال بري مباشر ومكلف.
في مواجهة هذا المخطط المنهجي للاستنزاف، تطفو على السطح خيارات جيوسياسية مضادة لخلط الأوراق، وفي مقدمتها ورقة “مضيق هرمز”. إن الإقدام على إغلاق هذا الشريان الحيوي، أو حتى إبقائه في حالة “نصف إغلاق”، من شأنه أن يوجه ضربة قاصمة ويرفع فاتورة الحرب العسكرية والاقتصادية على العديد من دول العالم. غير أن هذا الخيار يظل سلاحاً معقداً ومحفوفاً بالمحاذير. ففي حين تتصاعد أصوات الصقور في أروقة صنع القرار الأميركي للمطالبة بضربات أشد قسوة، تقف الإدارة الأميركية متوجسة من التداعيات الكارثية لارتفاع أسعار النفط، والذي لن يقتصر أثره على مضخات الوقود، بل سيضرب سلاسل التوريد العالمية ويرفع تكاليف الإنتاج والسلع الأساسية، وهو سيناريو اقتصادي تتهرب منه واشنطن بشدة في الظرف الراهن.
وأمام هذا المأزق وتوازن المصالح، يبرز الاحتمال الأكثر قتامة: أن تلجأ واشنطن وتل أبيب، بهدف كسر إرادة طهران وإجبارها على الاستسلام المطلق، إلى شن هجوم استراتيجي هائل يتجاوز كل الخطوط الحمراء؛ هجوم قد يحمل طابعاً إبادياً أو يرقى لمرتبة جرائم الحرب الكبرى. والتاريخ العسكري الحديث مثقل بسوابق مشابهة، بدءاً من التدمير السجادي لمدينة “درسدن” الألمانية في الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى السيناريوهات التي تُطرح فيها خيارات استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو قنابل ذات قدرة تدميرية غير مسبوقة لتحطيم الإرادة الوطنية للخصم.
لذلك، فإن الخطر محدق وحقيقي، ويستوجب قراءة المشهد بأقصى درجات الواقعية السياسية. لقد أثبتت الترسانة الصاروخية الإيرانية قدرتها على إيذاء الخصم وجباية ثمن باهظ، لكن الحقيقة العارية تشير إلى أن هذا المستوى من الردع، بمفرده، لم يعد كافياً لخلق “موازنة رعب متكاملة”. وعليه، تتصاعد القناعة بأنه إذا ما توفرت الظروف لإجراء “اختبار نووي”، أو استعراض قدرة ردع استثنائية تتجاوز الحسابات التقليدية -حتى وإن بدا الوقت متأخراً- فإن هذا الخيار قد يُنظر إليه من قبل البعض على أنه الملاذ الاستراتيجي الأكثر نجاعة لفرملة آلة الحرب، ومنع انزلاق ايران نحو سيناريوهات كارثية لا عودة منها.
إن طرح هذه المقاربات القاسية لا يهدف بأي حال إلى زرع بذور الذعر في وجدان الايرانيين ومحبيهم ، بل ينبع من ضرورة حتمية تفرضها اللحظة التاريخية؛ وهي وجوب صياغة استراتيجية ردع مسبقة، واضحة، وحاسمة. استراتيجية قادرة على إعادة هندسة حسابات الخصم، ورفع التكلفة الشاملة للحرب إلى السقف الذي يجعل من فكرة التمادي فيها قراراً مجرداً من أي منطق أو عقلانية.
