سودان تمورو
في مشهد لم يكن أشد المتشائمين في دوائر صنع القرار بواشنطن يتوقعه، يدخل الصراع يومه السابع عشر ليرسم ملامح تحول استراتيجي غير مسبوق في بنية النظام العالمي. فوفقاً للمعطيات الميدانية التي أعلنها الحرس الثوري الإيراني، تبدو السماء مفتوحة أمام الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية لتنقض على أهدافها بأريحية تامة، بعد أن أصيبت أجزاء حيوية من المنظومات الدفاعية الإقليمية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل بشلل شبه تام. هذا العجز العسكري لم يكن سوى مقدمة لانهيار أعمق، تجلى في عجز واشنطن عن حماية هيبتها، ليتحول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مادة للتهكم والازدراء العالمي، بعد أن أشعل فتيل حرب عبثية باهظة التكاليف وخالية من أي انتصار يذكر.
ولأن الحروب الحديثة تُحسم في شريان الاقتصاد قبل ساحات المعارك، فقد كانت الضربة الأقوى في خاصرة النظام المالي العالمي. إذ تؤكد تقارير صحيفة “تلغراف” البريطانية أن حركة عبور السفن في مضيق هرمز قد تراجعت لتلامس الصفر، مما خلق حالة من الاختناق غير المسبوق. وقد انعكس هذا الشلل فوراً على لوحات التداول، حيث قفزت أسعار النفط من 67 دولاراً في الأسبوع الأول للصراع، لتكسر حاجز 104 دولارات في أسبوعه الثاني، وتستقر اليوم في بداية الأسبوع الثالث عند 106 دولارات للبرميل. هذا التصاعد الجنوني ليس مجرد أرقام، بل هو إعلان صريح عن فقدان واشنطن لقدرتها التاريخية على تأمين تدفق الطاقة، وهو ما يمثل طعنة نافذة في صميم هيمنتها العالمية.
أمام هذا المأزق التاريخي، وجد ترامب نفسه محاصراً بين إخفاق عسكري في الميدان، وتمرد ناعم يتغلغل في أروقة إدارته. وفي محاولة بائسة للتنصل من مسؤولية الكارثة التي صنعها بيديه، أطل عبر القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية ليطلق تصريحات تعكس عمق التخبط؛ مطالباً الدول المستهلكة للنفط بتحمل فاتورة حماية مضيق هرمز، ومبرراً ذلك بأن بلاده لا تستفيد من نفط المضيق لتتحمل وحدها عبء المواجهة. هذا التراجع الخطابي من موقع “شرطي العالم” إلى موقع المتهرب من مسؤوليات الحرب، يمثل اعترافاً ضمنياً بالهزيمة، وتأكيداً على أن واشنطن لم تعد قادرة على دفع ضريبة الغطرسة بمفردها.
ولعل الصفعة الأقوى للسياسة الأمريكية تجلت في الرفض العالمي القاطع للاستجابة لنداءات واشنطن. ففي نقطة تحول تاريخية، تخلت أعرق التحالفات عن القيادة الأمريكية، رافضة الغرق في المستنقع الذي حفره ترامب في مياه الخليج. إذ توالت الصفعات الدبلوماسية من كل حدب وصوب؛ بدءاً من الصين وفرنسا وكوريا الجنوبية، وصولاً إلى الحلفاء التقليديين. فقد رفض رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إرسال سفن حربية، وامتنعت اليابان عن إرسال قواتها البحرية للمرافقة، بينما أكدت وكالة رويترز غياب أي نوايا أسترالية للمشاركة في فتح المضيق. هذا الإجماع العالمي على ترك أمريكا وحيدة في مواجهة مصيرها، لا يوثق فقط فشل ترامب، بل يكتب بداية النهاية لحقبة كانت فيها الأوامر الأمريكية تُنفذ ولا تُناقش.
