سودان تمورو:
لم تكن شمس أول أيام عيد الفطر في مدينة “الدبة” بالولاية الشمالية تشبه مثيلاتها في السنوات الخوالي، فقد استيقظ السكان على أزيز طائرات مسيرة “انتحارية” بدلاً من تكبيرات العيد، في مشهد يختزل بؤس المشهد السوداني الراهن. هذا الاستهداف الممنهج لمدينة هادئة آوت عشرات الآلاف من النازحين الفارين من جحيم الحرب، لا يمكن قراءته إلا في سياق إفلاس سياسي وعسكري وأخلاقي، يثبت يوماً بعد يوم أن قوات الدعم السريع قد قطعت كافة خيوط الوصل مع مفهوم “الدولة” أو حتى “المسؤولية الإنسانية” تجاه الشعب الذي تدعي الدفاع عنه.
إن استهداف محطات الكهرباء والمرافق التعليمية مثل كلية الهندسة في توقيت يحمل قدسية دينية واجتماعية، يبعث برسالة واضحة مفادها أن استراتيجية هذه القوات باتت تعتمد بشكل كلي على “تصدير الفوضى” ونقل العدوى إلى المناطق المستقرة. فبعد أن فشلت هذه المليشيا في تقديم أنموذج واحد للإدارة في مناطق سيطرتها، وتحولت تلك المناطق إلى بؤر للنهب والتعطيل التام للخدمات الصحية والتعليمية، هاهي اليوم تحاول إظلام المدن التي لم “تتنجس” بوجودها، عبر ضرب البنية التحتية الحيوية وتحويل حياة المدنيين العزل إلى كابوس مستمر.
ما حدث في “الدبة”، ومن قبله في “مروي” و”دنقلا”، يكشف عن وجه قبيح لقوات فقدت بوصلتها الإنسانية؛ فمحاولة ضرب محطة الكهرباء التحويلية لإغراق المنطقة في الظلام هي جريمة حرب مكتملة الأركان، تهدف في جوهرها إلى زرع الهلع وكسر إرادة الصمود لدى السودانيين. إن قواتاً تعجز عن توفير الأمن والخدمات في “دارفور”، وتستعيض عن ذلك بإرسال “المسيرات الاستراتيجية” لترويع النازحين في مخيم “العفاض”، هي قوات تعلن صراحة أنها لا تصلح لأن تكون جزءاً من أي مستقبل سياسي أو عسكري للسودان، بل هي خطر وجودي يهدد ما تبقى من نسيج الدولة.
إن الموقف اليوم يتجاوز مجرد الصراع العسكري على الأرض، ليصل إلى مرحلة “الاستئصال القيمي”؛ فالحرب التي تُشن ضد الأعيان المدنية والمرافق الخدمية في يوم العيد هي حرب ضد الإنسان السوداني في أبسط حقوقه. ومع تصدي المضادات الأرضية لهذه المسيرات، يبقى السؤال الجوهري يلوح في الأفق: إلى متى سيظل المجتمع الدولي صامتاً أمام مليشيا تقتات على ترويع المدنيين وتدمير مقدرات البلاد؟ إن التاريخ لن يرحم، والواقع يؤكد أن القوات التي تختار “الكهرباء” و”الجامعات” أهدافاً عسكرية لها، هي قوات إرهابية تكتب بيديها شهادة وفاتها الأخلاقية أمام التاريخ والشعب.
