الخميس, مارس 26, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارنيران المسيرات تحصد أرواح المدنيين في السودان

نيران المسيرات تحصد أرواح المدنيين في السودان

سودان تمورو:

اتهامات تطاول طرفي النزاع في السودان باستخدام المسيرات في القصف بشكل لا يراعي قواعد الاشتباك والقيم المتبعة أثناء الحروب.

تصاعدت في الآونة الأخيرة أحداث استهداف المدنيين السودانيين بالطائرات المسيرة من قبل طرفي الحرب الجيش و”الدعم السريع”، وسط مخاوف متزايدة من توسيع نطاق الهجمات على مدن ومناطق عدة في البلاد، بخاصة في ظل الارتفاع المقلق في معدلات الوفيات جراء استهداف السكان بولايات دارفور وكردفان والنيل الأبيض والشمالية.

تحول قصف قوات “الدعم السريع” بالمسيرات من استهداف القواعد والمتحركات العسكرية إلى المدارس والأحياء السكنية والمرافق المدنية بما فيها محطات توليد الكهرباء والمنشآت الاقتصادية والحيوية، في وقت استهدفت فيه غارات الجيش الجوية المستشفيات ودور الإيواء والأسواق.

جرائم وفظائع

المواطن السوداني أبو القاسم محجوب الذي يسكن قرية شكيري في ولاية النيل الأبيض قال إن “ابنه الذي لم يتجاوز عمره الـ15 سنة قُتل في هجوم لقوات ‘الدعم السريع‘ بطائرة مسيرة على مدرسة ثانوية بالقرية، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل هذه الميليشيات التي ارتكبت فظائع وأعمال إبادة جماعية بصورة مستمرة منذ اندلاع الحرب”.

وأضاف أن “الدعم السريع”، ومنذ الأيام الأولى للصراع المسلح، “لا تراعي قواعد الاشتباك والقيم المتبعة أثناء الحروب، وأبرزها حماية المدنيين، وابتعدت كثيراً عن الأخلاقيات المعهودة، إذ عمدت إلى قتل السكان من خلال القصف المستمر بالمسيرات، وكذلك استهداف المدارس ومساكن الطلاب، والاحتماء بالمرافق، وتموضعت ونصبت أسلحتها الثقيلة داخل منازل المواطنين، واعتدت على النساء، وقتلت هذه القوات الأطفال وكبار السن أمام ذويهم”.

وأوضح محجوب أن “المدن الآمنة باتت تفقد يومياً عشرات الأرواح البريئة بسبب القصف المتواصل بالمسيرات في ظل صمت المجتمع الدولي على جرائم الميليشيات المستمرة ضد المدنيين في مناطق مختلفة بالبلاد”.

استهداف مستمر

من جانبها، أشارت ليلى الصافي التي تسكن مدينة القضارف شرق السودان إلى أن “ابنها تعرض لإصابات خطرة بعد استهداف قوات ‘الدعم السريع‘ سكناً جامعياً بمدينة كوستي بطائرة مسيرة، مما أدى إلى إصابة سبعة طلاب، وانهيار أجزاء واسعة من المبنى”.

ونوهت الصافي بأن “ابنها لا يزال يتلقى العلاج ويعاني كسوراً، وذراعه تحوي شظايا، إضافة إلى تعرض عدد من زملائه لإصابات خطرة جراء القصف بالمسيرات، مما يجعل مستقبلهم الدراسي مجهولاً”.

ولفتت إلى أن “مسؤولية هذه الفظائع تقع بالكامل على ‘الدعم السريع‘ بخاصة في ولاية النيل الأبيض، إذ لا تزال هجماتها بالطائرات المسيرة تزهق أرواح المدنيين، فضلاً عن إصابة العشرات. وفي حال لم يتحرك المجتمع الدولي ويشرع في خطوات جادة لمنع جرائم الميليشيات، فلا يمكن أن نتوقع إلا الأسوأ”.

أخطار ومخاوف

في السياق، أوضح هاشم عبيدالله، أحد سكان منطقة أبوزبد في ولاية غرب كردفان، أن “ستة من أفراد أسرته قُتلوا في غارة بطائرة مسيرة شنتها القوات المسلحة السودانية على سوق المدينة، كذلك تعرض العشرات لإصابات خطرة”.

وبين عبيدالله أن “مدينة أبوزبد ظلت في الفترة الأخيرة تتعرض لهجمات مستمرة بالطائرات المسيرة من قبل الجيش السوداني، وهي تستهدف أماكن تجمعات المدنيين بخاصة الأسواق، ليشكل القصف العشوائي أحد أبرز أوجه الأخطار والمخاوف لتسببه في سقوط العشرات من الضحايا المدنيين”.

وينبه المواطن السوداني إلى أن استخدام الطائرات المسيرة يشكل خطراً مباشراً على المدنيين والبنية التحتية، إلى جانب المستشفيات ومحطات توليد الكهرباء والمنشآت الاقتصادية.

خسائر بشرية

على الصعيد نفسه، يرى الطبيب المتطوع بمراكز إيواء مدينة الضعين شرق دارفور نجم الدين بحر، أن “الجيش يستهدف بالمسيرات المواطنين في مدن ومناطق عدة بإقليم دارفور تحت ذريعة تصنيفهم حواضن لقوات ‘الدعم السريع‘، وعندما تقع الكارثة ويرتفع أعداد الضحايا، يتبرأ من دماء المدنيين”.

وأضاف بحر أن “دماء الأبرياء باتت هي المادة التي تتغذى عليها الحرب الإعلامية بين الطرفين المتقاتلين، والمداد الذي تكتب به بيانات الإدانة في سياق حملات الدعاية النفسية المضادة للآخر، ومحور الاتهامات المتبادلة بينهما”.

ونوه بأن “استخدام الطائرات المسيرة داخل المناطق السكنية ينطوي على أخطار كبيرة لاحتمال تسببه في خسائر مادية وبشرية كبيرة، فضلاً عن استهداف محطات توليد الكهرباء والمنشآت الاستراتيجية التي ترتبط بحياة المواطنين خصوصاً المستشفيات والمرافق الخدمية”.

هجمات وحوادث

أفادت تقارير بمقتل 152 مدنياً غرب كردفان جراء غارات بطائرات مسيرة شنتها القوات المسلحة السودانية، بينهم 50 مدنياً قتلوا عندما استهدفت الهجمات سوقاً ومستشفى في الرابع من مارس الجاري في المجلد، وفق ما جاء في بيان المفوض الأممي لحقوق الإنسان.

وكذلك أسفرت هجمات على سوقين منفصلتين في أبو زبد وود بندة في السابع من الشهر ذاته عن مقتل 40 مدنياً، وقد استهدفت شاحنة تقل مدنيين يُزعم أنها تعرضت لضربة بطائرة مسيرة تابعة للقوات المسلحة السودانية في الـ10 من مارس الجاري في السنط، وهو ما أدى بحسب تقارير إلى مقتل 50 مدنياً بينهم نساء وأطفال.

وفي جنوب كردفان، أفادت التقارير بمقتل 39 مدنياً بينهم 14 في عاصمة الولاية الدلنج، جراء قصف كثيف شنته قوات “الدعم السريع” و”الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال” المتحالفة معها يومي الرابع والخامس من الشهر الجاري. وقد تضررت ودمرت منازل ومدارس وأسواق ومرافق صحية كثيرة في هذه الهجمات، مما فاقم آثارها في المدنيين والمجتمعات المحلية، بحسب المصدر عينه.

أيضاً طاولت طائرات مسيرة أخرى لقوات “الدعم السريع” عاصمة ولاية النيل الأبيض كوستي منذ الرابع من هذا الشهر وبينها طائرة استهدفت سكناً جامعياً في التاسع منه، مما أدى وفقاً للتقارير إلى إصابة سبعة طلاب إصابة بعضهم خطرة. وفي اليوم التالي استهدفت مسيرة أخرى محولاً كهربائياً في محطة أم دباكر مما تسبب في انقطاع واسع للكهرباء.

وذكرت منظمة الصحة العالمية السبت أن “هجوماً استهدف مستشفى الضعين التعليمي في عاصمة شرق دارفور، مما أسفر عن مقتل 70 شخصاً في الأقل، بينهم أطفال ومسعفون وعدد من المرضى”، مع انتشال مزيد من الجثث من تحت الأنقاض.

وكشفت المنظمة أن مستشفى الضعين التعليمي تعرض للقصف ‌في الـ20 من مارس (‌آذار) الجاري، لكنها لم تحدد ‌الجهة المسؤولة ⁠عن الهجوم، وأضافت ⁠أن الغارة أدت إلى توقف العمل في المنشأة الطبية التي كانت بمثابة مستشفى إحالة لأكثر من مليوني شخص.

وقالت نائبة ممثل المنظمة في السودان هالة خضري خلال إفادة صحافية في جنيف، ⁠إن جهود البحث والإنقاذ أسفرت ‌عن التعرف ‌إلى ست جثث أخرى، مما رفع العدد الإجمالي ‌للقتلى إلى 70، وأضافت أن ‌عدد المصابين ارتفع إلى 146 مصاباً.

وذكر متحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الهجوم بطائرات مسيرة كان في منطقة تسيطر عليها ‌قوات “الدعم السريع”، التي تقاتل الجيش السوداني في حرب أهلية بدأت ⁠في ⁠أبريل (نيسان) 2023.

وقالت المفوضية إنها لا تملك أدلة كافية تجعلها توجه اتهامات، لكنها أشارت إلى أن طرفي الحرب يستخدمان الطائرات المسيرة في مواقع مدنية، في أعمال قد تشكل جرائم حرب.

وأضافت أن استخدام الطائرات المسيرة يزداد في الصراع، وأن أكثر من 500 مدني، معظمهم في منطقة كردفان، قتلوا في مثل هذه الضربات منذ بداية العام.

وأفادت الناطقة باسم مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مارتا هورتادو الصحافيين في جنيف، بأن “الزيادة الكبيرة في استخدام المسيّرات لتنفيذ ضربات جوية في السودان هذا العام، تسلّط الضوء على الأثر المدمّر للتكنولوجيا المتطورة والأسلحة الزهيدة الثمن نسبياً في المناطق المأهولة”، وأضافت أنه “بحسب المعلومات التي جرى تلقيها، قُتل أكثر من 500 مدني بضربات من هذا النوع من الأول من يناير (‌كانون الثاني) الماضي  وحتى الـ15 من مارس الجاري”.

وأكدت مجموعة “محامو الطوارئ” السودانية الحقوقية التي توثق فظائع الحرب، أن الضربة نُفذت “بواسطة طائرات مسيرة تابعة للجيش السوداني وأصابت مستشفى الضعين التعليمي”.

اتهام ونفي

ونفى الجيش السوداني في بيان رسمي ضلوعه في استهداف مستشفى الضعين، ووصف اتهامه به بـ”دعاية” تبثها قوات “الدعم السريع”.

وقال إن “القوات النظامية تتقيد بالأعراف والقوانين الدولية”، ووصف قصف المستشفيات والمؤسسات الصحية بأنه نهج ميليشيات “الدعم السريع”، مشيراً إلى عمليات قصف لمستشفيات ومنشآت صحية، قامت بها تلك القوات في أوقات سابقة.

وناشد الجيش السوداني المنظمات الحقوقية والمدنية والمجتمع الدولي الاضطلاع بواجبها الأخلاقي والقانوني، بإدانة سلوك “الدعم السريع” ومحاسبتها على خرق قرارات مجلس الأمن الدولي.

لكن وفي المقابل أصدرت قوات “الدعم السريع” في وقت سابق بياناً ذكرت فيه أن مسيرة من طراز “بيرقدار أكينجي” تركية الصنع، تابعة للجيش السوداني، أطلقت صواريخها على المستشفى ودمرته بالكامل.

وتوعدت بالرد على الهجوم، وقالت “قواتنا خياراتها ستظل مفتوحة للرد على هذه الجرائم”، ودعت الأمم المتحدة والمنظمات العدلية والحقوقية الدولية، للتحرك العاجل وفتح تحقيقات مستقلة، ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة.

قلق أممي

في سياق متصل، أعرب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك عن “صدمته” إزاء تقارير أفادت بمقتل أكثر من 200 مدني بهجمات عبر طائرات مسيرة في السودان منذ الرابع من مارس الجاري.

وقال تورك “من المقلق للغاية أنه على رغم التحذيرات والنداءات المتكررة، تواصل أطراف النزاع في السودان استخدام طائرات مسيرة متزايدة القدرة التدميرية لإطلاق أسلحة متفجرة ذات آثار واسعة النطاق داخل المناطق المأهولة بالسكان”، مجدداً دعوته الأطراف المتحاربة إلى “الامتثال الكامل للقانون الدولي الإنساني في استخدام هذه الأسلحة، لا سيما الحظر الواضح على توجيه الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية والبنى التحتية المدنية، وكذلك على شن أي شكل من أشكال الهجمات العشوائية”.

وأوضح المفوض الأممي أنه “بعد وقت قريب ستكون ثلاثة أعوام كاملة قد مرت منذ اندلاع النزاع العبثي في السودان الذي دمر حياة الملايين وسبل عيشهم، ومع ذلك لا يزال العنف الذي تغذيه هذه التقنيات الجديدة للحرب مستمراً في التوسع”، مشدداً على أن “الأوان قد آن لأن ينتهي النزاع، فلقد عانى الشعب السوداني كثيراً”.

اندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات