سودان تمورو:
في خضم المواجهة المباشرة والمفتوحة بين الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى، يطرح بعض الفاعلين السياسيين فكرة السعي للحصول على “ضمانات بعدم الاعتداء”. هذا الطرح، وبدلاً من كونه استراتيجية مدروسة، يعكس فهماً قاصراً للمنطق العميق الذي يحكم مسارات السياسة الدولية. ففي النظام العالمي، لا تستمد العهود والالتزامات قيمتها من النوايا القانونية أو الدوافع الأخلاقية، بل تتأسس حصراً على موازين القوى. فأي اتفاق لا يحمل قيمة فعلية إلا طالما كان مدعوماً بتوازن قوى يحميه؛ وبمجرد اختلال هذا التوازن، تفقد تلك الالتزامات فاعليتها وتصبح حبراً على ورق. ومن هنا، فإن الحروب في جوهرها ليست سوى أدوات حادة لإعادة صياغة موازين القوى، والطرف المنتصر هو من يمتلك الحق النهائي، ليس فقط في حسم نتيجة المعركة، بل في رسم قواعد النظام الذي سيعقبها.
لقد دخلت واشنطن وتل أبيب هذه المواجهة بناءً على فرضية واهمة مفادها أن الظروف مهيأة تماماً لتمرد شعبي في إيران وتغيير جذري للنظام السياسي. فقد ظنوا أن أدوات الاختراق الاقتصادي والتلاعب بأسعار الصرف والطاقة قد مهدت أرضية خصبة للاحتقان والغضب الاجتماعي، وهو ما أسهم في إثارة أطماع الخصم عقب أحداث سابقة. وعلى هذا الأساس، تم تنفيذ سياسة “قطع رأس الهرم” واغتيال القيادات السياسية والعسكرية بهدف إحداث فراغ قاتل في قمة السلطة. ومع ذلك، فإن الوعي الاستثنائي للشعب الإيراني وحضوره غير المسبوق في الميادين دعماً لدولته، حال دون تفعيل بؤر الفوضى ووأد المشروع التخريبي في مهده. كما أن الشجاعة والحنكة التي أبدتها النُخب في سرعة وحسم اختيار القيادة العليا الجديدة، قد أصابت العدو بخيبة أمل استراتيجية أجهضت رهاناته.
في المشهد الراهن، تبدو الولايات المتحدة فاقدة لأي أهداف عملياتية واضحة وقابلة للتحقيق، ولا تملك “صورة نصر” يمكن الركون إليها، فضلاً عن افتقارها لاستراتيجية خروج تبرر التكاليف الباهظة لهذا الصراع، مما يعكس حالة من التخبط الهيكلي العميق لدى الطرف الآخر. في المقابل، نجحت طهران في نقل منطق المواجهة من مربع الاشتباك العسكري المباشر إلى مستوى أوسع وأكثر تعقيداً؛ مستوى تتصاعد فيه التكاليف على الخصم بشكل هندسي، ولا يكون فيه التفوق العتادي وحده هو العامل الحاسم. إن التفوق الإيراني اليوم ليس أحادي البعد، بل هو ثمرة تضافر عناصر حيوية تشمل: التلاحم المجتمعي كظهير استراتيجي، والتثبيت السريع لهيكل القيادة لضمان استمرارية صنع القرار، ومواصلة توجيه الضربات الدقيقة لمصالح العدو وبنيته التحتية، إلى جانب توظيف نقاط الاختناق في مسارات الطاقة والتجارة العالمية كأوراق ضغط فاعلة. هذا التحول النوعي غيّر معادلة الحرب بشكل جذري.
ضمن هذا الإطار، فإن إثارة نقاشات حول “وقف إطلاق النار” أو انتزاع “ضمانات” قبل ترسيخ حالة التفوق الاستراتيجي، لا يفتقر إلى الرصيد الواقعي فحسب، بل قد يؤدي إلى تجميد الموقف عند نقطة لم تتبلور فيها بعد التغيرات المستدامة في موازين القوى. إن تجربة وقف إطلاق النار التي أعقبت حرب الاثني عشر يوماً تثبت بوضوح أنه في غياب فرض تكاليف قاصمة وإحداث تغيير ملموس في موازين الردع، فإن أي التزام من طرف العدو سيبقى ذا طابع تكتيكي ومؤقت، وسيكون عرضة للانتهاك السريع. ولربما، لو لم تُقبل تلك التهدئة حينها واستمرت المواجهة الهجومية بأبعادها الحالية، لكانت الكثير من الأحداث اللاحقة قد اتخذت مساراً مختلفاً تماماً ولتم تجنب العديد من التداعيات.
إن المنطق الاستراتيجي للوضع الراهن يقتضي تحديد الأهداف بصراحة وبمستوى يستأصل جذور التهديد من أساسها. وفي هذا السياق، يبرز إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة كهدف محوري لا مناص منه، إذ أن استمرار هذا الوجود يمثل البنية التحتية لاستدامة حالة انعدام الأمن والتدخلات المستمرة. إن خروج الولايات المتحدة من المنطقة ليس مجرد مطلب سياسي، بل هو شرط أساسي مسبق لتشكيل نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط؛ نظام تُكتب قواعد لعبته بأيدي القوة الإقليمية الصاعدة وحلفائها. بناءً على ذلك، فإن القضية الجوهرية لا تقتصر على إنهاء صراع دائر، بل تتمحور حول رسم شكل وقواعد النظام الذي سيليه. إن أي تسرع في القبول بترتيبات لا تستند إلى أرضية صلبة من توازنات القوى، سيؤدي حتماً إلى إعادة إنتاج دورة التهديدات مستقبلاً، بينما تثبيت التفوق وتحديد الأهداف بمنظور بنيوي شامل، سيمهد الطريق لصياغة نظام أكثر استقراراً يعكس معطيات القوة الجديدة على الأرض.
