سودان تمورو:
إذا لم تعد الأسلحة الأغلى ثمناً هي الأكثر أماناً، فكيف يمكننا إذن تعريف الحرب اليوم؟ وهل لا تزال البوارج البحرية العملاقة والمقاتلات الشبحية المتقدمة تمثل الرمز المطلق للتفوق، أم أنها استحالت إلى مجرد أهداف عالية التكلفة وشديدة الهشاشة؟ عندما تمتلك طائرة مسيرة، لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات، القدرة على فقء عين منظومة دفاعية تقدر بمليارات الدولارات، فإن المفهوم الحقيقي لـ “ميزان القوى” يوضع أمام اختبار قاسٍ. لقد أخرجت المواجهات الأخيرة بين طهران من جهة، وتل أبيب وواشنطن من جهة أخرى، هذا التساؤل من الأروقة النظرية والأكاديمية، لتقذف به في قلب ساحة المعركة: هل مستقبل الحروب تحسمه القوى “الأكبر حجماً” أم تلك “الأكثر ذكاءً”؟
إن القراءة المتأنية للاستراتيجية العسكرية الإيرانية تقدم مشهداً أكثر تعقيداً من مجرد اختزاله في سرديات “الانتصار” أو “الهزيمة” السطحية. فما تكشف في الميدان مؤخراً كان، قبل كل شيء، صداماً مباشراً بين منطقين عسكريين متناقضين: منطق التمركز والتفوق للمنصات القتالية الثقيلة، في مواجهة منطق التشتت، والتكلفة المنخفضة، والاستهداف الذكي لنقاط الضعف. في النموذج العسكري الكلاسيكي، كانت القوة تتجسد في أصول ضخمة، وباهظة، وقابلة للرصد، كالقواعد الجوية، وحاملات الطائرات، وشبكات الدفاع الجوي متعددة الطبقات. غير أن التطورات الأخيرة أثبتت قاعدة جديدة: كل ما هو “قابل للرصد” هو حتماً “قابل للاستهداف”. فالهجمات الإيرانية المدمجة، بالمسيرات والصواريخ، لم تُصمم لمجرد التدمير الاستعراضي، بل كانت اختباراً حياً لإنهاك واستنزاف تلك النقاط شديدة التمركز.
لقد تجلى هذا النهج بوضوح في توظيف أسراب المسيرات لتحدي منظومات الدفاع الرادارية والاعتراضية المتقدمة، وفي مقدمتها منظومة “ثاد”. تمكنت مسيرات صغيرة الحجم، زهيدة التكلفة، وذات بصمة رادارية منخفضة، من وضع طبقات الدفاع الجوي في مأزق عملياتي خانق. لم يكن الهدف الاستراتيجي مقتصراً على الاختراق الكامل، بل تمحور حول خلق حالة من “الإشباع” و”التعمية” لشبكات الإنذار المبكر والاعتراض. وحتى في حال نجاح المنظومات في إسقاط بعض هذه المسيرات، يبقى السؤال الاستراتيجي الأهم معلقاً: هل يُعد استخدام صاروخ اعتراضي بقيمة ملايين الدولارات لإسقاط هدف لا تتجاوز قيمته عشرات الآلاف معادلة مستدامة على المدى الطويل؟ هنا تتسع رقعة الحرب، لتنتقل من الميدان الفيزيائي إلى ساحة الاستنزاف الاقتصادي والحسابات المعقدة.
على المستوى العملياتي، برز تحول جذري آخر تمثل في استراتيجية “شل الفاعلية” كبديل عن “التدمير الشامل”. فبدلاً من استهداف المقاتلات الحربية بشكل مباشر، انصب التركيز على مدارج الإقلاع، والبنية التحتية لإمدادات الوقود، ومراكز الدعم اللوجستي. يعكس هذا التكتيك إدراكاً عميقاً بأن كفاءة أي منظومة عسكرية مرهونة بشبكة من الارتباطات المعقدة، وأن توجيه ضربة دقيقة لعقدة واحدة في هذه الشبكة كفيل بإخراج النظام بأكمله عن الخدمة، حتى وإن بقيت الأصول العسكرية الرئيسية سليمة. ولم يختلف المشهد كثيراً في المسرح البحري؛ فبدلاً من المواجهة المباشرة مع البوارج العملاقة، تم الدفع بتهديدات لامركزية ومتعددة الطبقات، شملت صواريخ “أرض-بحر”، ومسيرات بحرية، وأدوات غير مكلفة لم يكن هدفها الإغراق الفوري، بل تقييد حرية الحركة وفرض حالة من الحذر التكتيكي. فالبارجة قد تنجو من التدمير، لكن اضطرارها للابتعاد، أو تغيير مسارها، أو استنزاف مواردها في الدفاع المستمر، يعني عملياً فقدانها لجزء كبير من فاعليتها الاستراتيجية.
غير أن اكتمال الصورة التحليلية يقتضي التجرد من المبالغات في تقييم نجاعة هذا النموذج غير المتماثل، ففصول المعركة لم تُطوَ بعد. لقد أثبتت الضربات الدقيقة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل أن قطاعات واسعة من القوة التقليدية الإيرانية لا تزال مكشوفة وعرضة للاستهداف. فقد تكبدت القوات الجوية، وطيران الجيش، وبعض القدرات البحرية الإيرانية أضراراً جراء هجمات دقيقة مبنية على تفوق استخباراتي. هذه الاختراقات ليست مجرد انتكاسات تكتيكية، بل تحمل تداعيات عملياتية ملموسة، كإضعاف القدرة على الدعم اللوجستي، وتقييد المناورة، والحد من سرعة الاستجابة في سيناريوهات المواجهة الشاملة. وهذا التباين يبرز بشكل خاص عند مقارنة القوات النظامية الإيرانية بحلفائها من الفصائل المسلحة؛ فبينما تعتمد الأخيرة على التشتت والتكلفة المنخفضة، لا تزال القوات التقليدية الإيرانية مرتهنة لبنية تحتية ومنصات قابلة للرصد والاستهداف، مما قد يخل بالتوازن الداخلي لأدواتها العسكرية ويدفعها نحو الاعتماد المفرط على التكتيكات غير المتماثلة.
هذه التحولات العميقة تفرض قراءة نقدية لواقع الجيوش العربية الكلاسيكية في المنطقة، والتي تستنزف ميزانيات فلكية. فالفجوة الحقيقية لا تكمن في حجم الترسانات، بل في الكفاءة العملياتية والقدرة على الصمود. لقد أنفقت العديد من دول المنطقة، على مدى عقود، مليارات الدولارات لتكديس أحدث المقاتلات والدبابات والمنظومات الدفاعية، غير أن هذا التضخم في العتاد الصلب رافقه هشاشة في تكامل القيادة والسيطرة، واعتماد مفرط على الدعم الخارجي، وعقيدة قتالية متصلبة. وقد أثبتت التجارب الحديثة أن هذه الجيوش، رغم بريق عتادها، تبدو أشد هشاشة أمام حروب الاستنزاف والهجمات اللامركزية والمسيرات الانتحارية مما توحي به الاستعراضات العسكرية والمقاطع الدعائية. فالموسيقى الملحمية واصطفاف الدروع لا يمكن أن يشكل بديلاً عن المرونة العملياتية والقدرة على البقاء في ميدان معركة حقيقي، حيث معيار النصر ليس شكل السلاح، بل عبقرية استخدامه.
إن ما أفرزته جولات الصراع الأخيرة ليس حسماً عسكرياً لطرف على حساب آخر، بل هو انقلاب زلزالي في قواعد اللعبة العسكرية. لقد أثبتت طهران إمكانية تطويق وتحدي أعتى المنظومات وأغلاها ثمناً باستخدام أدوات رخيصة ومشتتة، محققة اختراقات وصلت حد شل فاعلية دروع دفاعية متطورة. لكن في المقابل، تعرت نقاط الضعف الكامنة في البنية العسكرية التقليدية. لتتجسد الصورة في مشهد تاريخي متجدد: “جالوت” لا يزال مدججاً بالقوة الغاشمة وقادراً على تسديد ضربات موجعة، لكن “داوود” بات يتقن فن اختيار زمان ومكان الضربة بأدواته البسيطة. المعركة لم تنتهِ، ونتيجتها لن تُحسم بضربة قاضية واحدة، بل ستُرسم ملامحها النهائية عبر استمرارية هذا الصراع المحتدم بين منطقين لا التقاء بينهما.
