سودان تمورو
لم يعد مضيق هرمز مجرد موقع جغرافي يُنقل عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب 20% من إمدادات النفط العالمية. هذه المعادلة، وإن بدت دقيقة نظرياً، لا تعكس كامل الصورة في الاقتصاد الفعلي. فالأهمية الحقيقية للمضيق تتضح عند النظر إليه من زوايا الاقتصاد الكلي، والإنتاجي، والنقدي.
أولاً: على مستوى النفط
تتجه معظم صادرات النفط عبر مضيق هرمز إلى الدول الصناعية في شرق آسيا، وتحديداً الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، وهي الدول التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد الإنتاجي العالمي، والتي تُعرف اليوم بـ”مصنع العالم”. وتعتمد هذه الاقتصادات بشكل كبير على تدفق النفط عبر هذا الممر الحيوي.
على هذا المستوى، تمثّلت النتائج في:
ارتفاع أسعار النفط، وما نتج عنه من:
1- ارتفاع تكاليف النقل والطاقة عالمياً
2- زيادة أسعار الوقود والكهرباء
3- ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي
ثانياً: على مستوى الغاز
يمر عبر مضيق هرمز نحو 25% من الغاز الطبيعي المسال (LNG) المتجه إلى أوروبا، ولا سيما من قطر، لتعويض جزء كبير من الغاز الروسي الذي كان يصل عبر أوكرانيا قبل الحرب.
وقد انعكست التداعيات الأولية على أوروبا على الشكل الآتي:
1- تعطّل الإنتاج والشحن، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز بأكثر من 50% دفعة واحدة
2- ارتفاع فواتير الطاقة على الأسر
3- زيادة تكاليف الصناعات الثقيلة، ولا سيما الأسمدة والحديد والبتروكيماويات، ليس في أوروبا فقط بل على مستوى العالم
والنتيجة كانت:
1- ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً
2- ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين
3- ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية
4- ارتفاع معدلات التضخم، ما يؤدي تلقائياً إلى تباطؤ النمو
لماذا كانت النتائج الاقتصادية أكبر مما هو متوقع؟
· لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر للطاقة، بل شرياناً اقتصادياً عالمياً يتحكم بمسارات النمو والإنتاج والاستثمار النقدي
· المنطقة التي يخرج منها النفط إلى العالم تضم نحو 50% من احتياطي النفط العالمي، وتحديداً في دول الخليج وإيران والعراق
· تحتوي المنطقة أيضاً على نحو 40% من احتياطي الغاز العالمي، ولا سيما في قطر وإيران، ما يعزز أهميتها في الصناعات المتطورة المعتمدة على الغاز
الرابحون والخاسرون
مع دخول الأسبوع الرابع من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، تتضح خريطة الرابحين:
1- روسيا: تُعد من أكبر منتجي النفط حالياً، إذ تنتج نحو 10.6 ملايين برميل يومياً، مع قدرة على رفع الإنتاج إلى 13.6 مليون برميل. وقد استفادت من ارتفاع الأسعار، إضافة إلى اتجاهات تخفيف العقوبات والسماح لدول مثل الهند بزيادة وارداتها من النفط الروسي.
2- الشركات الأميركية: مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون”، إذ تحقق أرباحاً أعلى نتيجة ارتفاع الأسعار، خصوصاً للشركات ذات الإنتاج العالمي المتنوع. إلا أن هذا الارتفاع لا ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الأميركي، بل يسهم في زيادة التضخم، في ظل أسعار فائدة مرتفعة وعجز مالي كبير، مع ديون تتجاوز 38 تريليون دولار. كما أن زيادة الطلب على الدولار حالياً ترتبط بعوامل الحرب وإغلاق المضيق أكثر من ارتباطها بالنمو الاقتصادي.
3- الصناعات البديلة: تهديد إمدادات النفط يدفع الدول إلى تسريع الاستثمار في الطاقة البديلة بشكل أكثر جدية.
4- المضاربون في الأسواق: تقلبات الأسعار تخلق فرصاً كبيرة لتحقيق أرباح في التداول.
في المقابل، يوازي هذا المشهد صعود كلفة الخسائر في أماكن أخرى، أبرزها:
1- تراجع إيرادات الدول العربية.
2- الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، إذ إن إطالة أمد الحرب قد تؤدي إلى تباطؤ نموها مقارنة بعام 2025.
3- الاقتصاد العالمي: ارتفاع الأسعار، زيادة التضخم، وتباطؤ النمو.
4- قطاع الشحن والتأمين: ارتفاع أقساط التأمين واضطراب سلاسل الإمداد.
ختاماً، في الاقتصاد، ومع مرور الوقت، يتجه الجميع نحو الخسارة نتيجة الحرب. الخاسر الأكبر هو الاقتصاد العالمي، فيما الرابح الوحيد هو التضخم، مع تراجع القدرة الشرائية وتصاعد مخاطر الدخول في ركود اقتصادي عالمي.
كاتب وباحث اقتصادي
