سودان تمورو
“الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين” كتاب يندرج في حقل تاريخ الأفكار ويشتمل على اثني عشر فصلاً يتساءل فيه المؤلف ماهر الشريف، عمّا إذا كانت حرب الإبادة التي شنّتها “إسرائيل” على قطاع غزة وما رافقها من محاولات لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وليدة ساعتها ونابعة من نزعة الانتقام على ما جرى في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أو أنّ لها جذوراً في الفكر الصهيوني وفي أدبيات المعبّرين عنه منذ أواخر القرن التاسع عشر، ويستند الباحث إلى نموذج الاستعمار الاستيطاني الإحلالي في تحليله المواقف التي اتخذتها الصهيونية بمختلف تياراتها إزاء العرب الفلسطينيين .
كتاب في الفكر الصهيوني- الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين، المؤلف ماهر الشريف، صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية العام 2025 بيروت لبنان.
النزعة اليهودية القومية
يتكوّن الكتاب من 12 فصلاً واستخلاصات، يعرض الفصل الأول حيثيات تبلور النزعة القومية اليهودية قبل ولادة الصهيونية السياسية، ويتوقّف عند أفكار ثلاثة من المعبّرين عن هذه النزعة وَهُم الحاخام الصربي يهودا ألكالاي الذي دعا إلى توطّن اليهود في أرض “إسرائيل” كي يعيدوا تشكيل أنفسهم بصفتهم جماعة قومية، والحاخام الألماني تسفي هيرش كاليشر الذي قدّر أنّ فعل الإنسان يمكن أن يسبق مشيئة الله في تحقيق مهمة تجميع اليهود في صهيون، والفيلسوف الألماني موزس هس الذي رأى أنّ اليهود ليسوا جماعة دينية إنما أمّة قائمة بذاتها. كما يتوقّف الفصل عند أفكار معاداة السامية في روسيا القيصرية والتخلّي عن تشجيع الاندماج وتبنّي الدعوة إلى التحرّر الذاتي لليهود.
ويتناول الفصل الثاني تبلور الصهيونية السياسية على يد تيودور هرتزل واندراجها ضمن المشروع الاستعماري الأوروبي، ومضمون كتاب “دولة اليهود” الذي نشره هرتزل سنة 1896 والذي تضمّن تصوّره لحلّ المسألة اليهودية عبر منح اليهود بصفتهم شعباً قطعة أرض يمكن أن تكون في الأرجنتين أو في فلسطين، يقيمون دولة عليها تحرّرهم من المحنة التي يعيشونها. كما يتناول هذا الفصل ولادة المنظّمة الصهيونية في المؤتمر العالمي الأول سنة 1897 الذي تبنّى هدف إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين .
ويسلّط الفصل الثالث في كتاب “الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين”، الضوء على تيارات اختلفت فيما بينها في الشكل واتفقت في الجوهر إذ أجمعت على أنّ اليهود يشكّلون أمّة لها حقوق تاريخية ودينية في أرض “إسرائيل”، وأنّ الصهيونية حركة تهدف إلى تجميع اليهود في هذه الأرض ونشر اللغة العبرية بينهم وتمكينهم من تقرير مصيرهم وإقامة اقتصاد يهودي مستقل وضمان استمرار الهجرة اليهودية وتأمين وسائل الدفاع عنهم، أمّا تيار الصهيونية الدينية فقد تبنّى إقامة دولة تكون التوراة قاعدة تنظيم الحياة الاجتماعية فيها.
تفوّق اليهود وارتباطهم بالغرب
ويتطرّق الفصل الرابع إلى كيفية اكتشاف الصهيونية المسألة العربية في فلسطين والنقاشات التي دارت بين أنصار الارتباط بالشرق وأنصار الارتباط بالغرب، وبعضهم يعتقد أنّ تفوّق اليهود على المستوى الحضاري يعود إلى ارتباطهم بالغرب وتخوّفوا من تأثّر المهاجرين اليهود في فلسطين بثقافة بدائية تتصف بصفات سلبية.
ويستعرض الفصل الخامس مواقف المعبّرين عن الصهيونية إزاء المسألة العربية بعد صدور وعد بلفور وزيارة حاييم وايزمن إلى فلسطين واللقاءات التي أجراها مع ممثّلي السكان العرب، كما يستعرض هذا الفصل النقاشات التي دارت بين الحركة الوطنية العربية في فلسطين بصفتها حركة يقودها الأفندية والإقطاعيون ولا يهتمّ الجمهور العربي بها وبين من يدعو إلى التحالف اليهودي- العربي.
ويتمحور الفصل السادس من الكتاب حول تيار برز داخل المنظّمة الصهيونية ومثّلته جمعية بريت شالوم (التحالف من أجل السلام) التي اشتهر أعضاؤها بدعوتهم إلى إقامة دولة ثنائية القومية على أساس أنّ أرض “إسرائيل” تعود إلى شعبين: سكانها العرب الأصليون وإلى اليهود الذين يعودون إلى أرض أجدادهم، ودعت إلى إقامة حكومة واحدة في فلسطين على قاعدة الحقوق السياسية المتساوية لليهود والعرب وتشكيل فيدرالية بين دول مجاورة.
ويتناول المؤلف ماهر الشريف في الفصل السابع التحوّل الذي طرأ على مواقف المعبّرين عن الصهيونية الاشتراكية بعد اندلاع هبّة البراق في آب/ أغسطس1929 إذ يعتبرون أنّ الردّ يكون بزيادة عدد اليهود في فلسطين وتوسيع المستوطنات اليهودية وكيف عزّزت هبّة البراق قناعتهم بفكرة ترحيل الفلسطينيين، كما يتناول هذا الفصل النقاشات التي دارت بين المعبّرين عن الصهيونية الاشتراكية بشأن تقرير لجنة بيل البريطانية ومقترحها الرامي إلى إقامة “دولة” يهودية على جزء من أرض فلسطين وتهجير العرب القاطنين فيها.
ويعرض الفصل الثامن حيثيات ولادة حركة جديدة على يد زئيف فلاديمير جابوتتسكي الذي طالب بأن تشمل “الدولة” اليهودية الأراضي الواقعة شرق نهر الأردن وأنّ الرفض العربي للمشروع الصهيوني ينبع من الطبيعة الكولونيالية، الأمر الذي يفرض إنشاء قوة عسكرية يهودية تمثّل جداراً حديدياً، يجبر الفلسطينيين على أن يختاروا بين أن يكونوا أقلية تتمتع بحقوق مدنية في نطاق “دولة” يهودية وبين الهجرة وتجسيد حقوقهم خارج أرض “إسرائيل” .
البحث عن سلام مزعوم
ويتوقّف الفصل التاسع من الكتاب عند مواقف الصهيونية العمالية بعد إقامة “دولة إسرائيل” التي نقلتها بعد أكثر من أربعة عقود من انتهاج سياسات حربية وخصوصاً في الفترة 1956 – 1967 إلى البحث عن سلام أجهضته هي بنفسها، ويستعرض مضمون إعلان الاستقلال الذي قرأ نصّه دافيد بن غوريون وطبيعة التحالف الذي قام بين العلمانيين والمتدينيين، ويتطرّق إلى حرب حزيران/ يونيو 1967، كما يتوقّف الفصل عند الهزّة التي أحدثتها حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 في “إسرائيل” وتداعياتها وكيف أنها مهّدت طريق وصول اليمين القومي للمرة الأولى في تاريخه إلى السلطة، واعتراف يتسحاق رابين وشمعون بيرس بمنظمة التحرير الفلسطينية، وتوصّلهما إلى إتفاق سياسي بشأن حكم ذاتي لا ينطوي على اعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في استرجاع أراضيه وإقامة دولته المستقلة عليها .
ويعرض الفصل العاشر مواقف اليمين القومي بزعامة مناحيم بيغن بعد قيام “دولة إسرائيل” ودعوته المبكرة إلى الاستيلاء على الضفة الغربية لنهر الأردن وقطاع غزة ومعارضته بعد حرب 1956 انسحاب “الجيش” الإسرائيلي من قطاع غزة، ثم تقديره بعد حرب حزيران/ يونيو 1967 أنّ أراضي يهودا والسامرة ومدينة داود عادت إلى أيدي أصحابها التاريخيين ولم يعد من المسموح التنازل عنها .
أما الفصل الحادي عشر فيستعرض أفكار تيار الصهيونية الدينية الذي انطلق من أنّ القومية والدين متكاملان في حالة اليهود لأنّ حقوق اليهود في أرض “إسرائيل” مؤسسة على التوارة، وعارض التيار بقاء يهودا والسامرة بين يدي العرب، ولتعزيز مواقف هذا التيار الذي اعتبر أنّ انتصار “إسرائيل” في حرب حزيران/ يونيو 1967 كان تعبيراً عن إشارة إلهية حمّلت الجيل الذي كان شاهداً عليها رسالة مقدّسة تحفّزه على الاستقرار في الأرض المحرّرة واستيطانها ومحاربة كلّ من يحاول التنازل عنها .
أما الفصل الثاني عشر والأخير من كتاب الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين فيعرض المؤلف فيه، أفكار مارتن بوبر وريث الصهيونية الثقافية الذي أقرّ بعد قيام “دولة إسرائيل” بإخفاق مشروع الدولة الثنائية القومية ودعا إلى التوصّل إلى سلام حقيقي مع العرب عن طريق دمج “إسرائيل” في فيدرالية شعوب الشرق الأدنى، وحلّ مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس تعاون دولي يضمن استيعاب معظمهم في الدول العربية وقسم منهم في “إسرائيل”. كما يعرض هذا الفصل أفكار عدد من المثقّفين الإسرائيليين الذين انضووا ضمن تيار أطلق عليه اسم “ما بعد الصهيونية” وقدّروا أنّ شرعية “إسرائيل” لم تنبع من الحقّ التاريخي ولا من الحقّ التوراتي إنما نبعت من المحنة التي تمثّلت في المحرقة النازية، وأنّ الوقت قد حان لتطبيع الحياة في “إسرائيل” وقيام المجتمع على قاعدة المواطنة وليس الانتماء الديني وتبلور قومية لها دولتها التي يجب أن تقبل تعدّدية الهويات والانتماءات. كما وقف المعبّرون عن هذا التيار بصورة عامّة ضدّ استمرار السيطرة على الأراضي المحتلة سنة 1967، ورأى بعضهم أنّ إطار التفكير الثنائي القومي ما زال صالحاً لتحقيق الوفاق التاريخي بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني وضمان مستقبلهما المشترك .
كاتب وباحث لبناني مختص بالشؤون الدولية.
