الأربعاء, أبريل 1, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيكيف صنعت إيران من مجابهة أعدائها مشروعاً حضارياً ممتداً عبر القرون؟ مريم...

كيف صنعت إيران من مجابهة أعدائها مشروعاً حضارياً ممتداً عبر القرون؟ مريم ميرزاده

سودان تمورو

يرى رجالات الثورة الإسلامية في إيران اليوم، وحَمَلة رايتها من الأجيال التي لم تعرف مفجّرها إلّا من خلال الأثر الممتد على امتداد 4 عقود، بأنّ السر الكامن وراء بقاء الثورة وخلودها وتوارثها، إنما هو وقوف الشعب الإيراني طوال سنوات ما بعد انتصارها، خلف قادتها ويداً بيد، بالرغم من أيّ اعتبارات داخلية أخرى.

يعبّر البعض عن هذا الإسناد واللُحمة الوطنية بالانسجام والمشاركة الوطنيين. قد يبدو الحديث عن خلود ثورة ما مفهوماً مبهماً بالنسبة للبعض، فكيف تنقضي ثورة ويمضي على انتصارها زمن ليس بقصير، وتبقى مع ذلك شديدة الحضور، يعجز الرأي العام الوطني إلا عن تأكيد استمراريتها وخصوبتها؟

لعلّ المراد من خلود الثورة، هو مخرجاتها، أو بمعنى أدقّ، مراحل ما بعد انتصارها. إنها مراحل استكمال القطاف؛ قطاف الثمار. فالثورة التي بدأت من إرادة شعب كامل رفض محورية مصالح الاستكبار العالمي، وسار خلف قائده حتى تحقيق الانتصار، وتأسيس النظام الإسلامي المبنيّ على النهج المحمدي الأصيل، تطوي مراحل نموها، جيلاً بعد جيل، فتستكمل سيرها في مشروع حضاري متكامل شكّل رؤية قائدها الثاني الخامنئي الشهيد. هذا المشروع الذي تنفذ إلى مختلف أبعاده مبادئ الثورة ومخرجاتها، في السياسة والاقتصاد، والعلوم والتقانة والفن والاجتماع والفكر والفلسفة.

لا شكّ بأنه مسار تكاملي، قاعدته إرادة الشعب والثقة المتبادلة بينه وبين نظام الحكم، حتى وجدنا أنفسنا أمام إيران استطاعت أن تحدث تحوّلاً في التصوّر العامّ عن ميزان القوة ومفهوم الدول العظمى في العالم.

غير أنّ لإيران تاريخاً من النضال في وجه الإرادات الدخيلة، زاخراً بتسطير الملاحم والبطولات في سوح الوغى، وشتى المعارك التي خاضتها الشعوب الفارسية في وجه الاستكبار العالمي في مختلف وجوهه ومراحله على امتداد التاريخ.

تاريخ الفرس في مواجهة الاستعمار
إنّ الحديث عن تاريخ الفرس يتجاوز التتابع الزمني للأحداث، وتعاقب الإمبراطوريات على حكم هذه الأرض. وفي سياق ما نشهده اليوم من صمود تاريخي أمام أعتى قوى الأرض، من المفيد- معرفياً وتاريخياً- الوقوف عند السمة المشتركة للأنساق المختلفة، حيث لا مكان للتبسيط والاختزال.

ذلك أنّ تلك ثقافة عرفت، منذ بداياتها، كيف تصوغ لنفسها حضوراً يتجاوز الوقائع السياسية إلى عمق رمزي وحضاري. إنّ تاريخ فارس هو، في أحد وجوهه الأشدّ تعقيداً، تاريخ مواجهة عريقة مع “الآخر” الغازي، لكنه ليس تاريخ صدام ورفض لمجرّد الرفض، إنما هو صراع وجودي بين الهيمنة ومقاومة الاستلاب، بين القوة الخارجية والقدرة الداخلية على حفظ الهوية أمام إرادة الكسر، وإعادة التشكّل حيثما اقتضى التكامل الحضاري.

من هنا، فإنّ السؤال عن “مواجهة الاستعمار” في التجربة الفارسية لا يمكن اختزاله في مسألة المقاومة العسكرية فحسب، فالشواهد التاريخية زاخرة بالعصيان المعرفي والثقافي، والنضال السياسي والثورات وصولاً إلى المواجهة العسكرية. لم تكن إيران الأمّة التي قاومت لكي تنغلق، إنما يشهد لها التاريخ بأنها استوعبت الوافد من دون أن تذوب فيه، وأعادت تعريف ذاتها حيثما تعرّضت لزلزال تاريخي.

لقد قامت الإمبراطورية الأخمينية، على قاعدة استيعاب الشعوب لا استئصالها، وعلى إدارة التنوّع لا محاولة إذابته؛ فكانت نموذج الإمبراطورية القائمة على الفهم المركّب ما بين السلطة والاختلاف، مما يفسّر قدرتها على البقاء قروناً طويلة، واستمرار الروح الحضارية الفارسية، حتى بعد سقوطها على يد الإسكندر الأكبر.

غير أنه سقوط لم يشكّل النهاية لهذه الحضارة، فقد تحوّلت لحظة الهزيمة إلى لحظة إعادة تشكّل عميق، بعيداً من الانمحاء الثقافي والإلغاء والحذف. هذه القدرة على البقاء تحت الرماد، إن صحّ التعبير، هي التي ستظهر لاحقاً في صيغ متعدّدة، سواء في العهد الهلنستي أو في ظل الإمبراطورية الساسانية، حيث استعادت فارس حضورها السياسي والثقافي بوصفها قوة موازية للإمبراطورية الرومانية، لا مجرّد تابع لها.

تلك المفاصل التاريخية التي شهدت فيها البلاد امتزاجاً حضارياً وتلاقحاً ثقافياً وفنياً ما بين الحضارة الفارسية واليونانية؛ فنتيجة لرسوخ الحضارة الفارسية وتجذّرها، كان بينها وبين الحضارات الوافدة احتكاك منتج، من دون الذوبان والزوال. فقد بقيت البنية الثقافية الفارسية حيّة، خاصة في الأرياف والمجتمعات المحلية في عهد السلوقيين، وهنا ظهرت أولى ملامح الخصوصية الفارسية: القدرة على امتصاص التأثير من دون الانصهار الكامل فيه.

إنّ تاريخ فارس هو، في أحد وجوهه الأشدّ تعقيداً، تاريخ مواجهة عريقة مع “الآخر” الغازي، لكنه ليس تاريخ صدام ورفض لمجرّد الرفض، إنما هو صراع وجودي بين الهيمنة ومقاومة الاستلاب، بين القوة الخارجية والقدرة الداخلية على حفظ الهوية أمام إرادة الكسر، وإعادة التشكّل حيثما اقتضى التكامل الحضاري.

غير أنّ الفرس لم يزالوا حتى هذه اللحظة، يشعرون بأنهم يعيشون تحت ظل سلطة غريبة عنهم، تستثير فيهم شعور العصيان والتمرّد. وبالرغم من غياب الثورات الكبرى في بعض الفترات، فإنّ الرفض الفارسي للهيمنة الهلنستية لم يكن غائباً، بل اتخذ أشكالاً غير مباشرة تجلّت في الحفاظ على اللغة والتقاليد والعرف الاجتماعي، استمرار تأثير النخب المحلية واحترامهم بين الناس، والأهمّ شعور الاتحاد والاعتداد بالقومية الفارسية بين الغرباء. وقد توّج هذا المسار بصعود الإمبراطورية البارثية، التي أنهت فعلياً السيطرة السلوقية على إيران، وشكّلت جسراً امتد على 5 قرون، وصولاً إلى إيران التي اتخذت اسمها بشكل رسمي للمرة الأولى.

في العهد البارثي، تجلّت المقاومة في مواجهة الفرس للإمبراطورية الرومانية، حيث تعدّدت بينهما المعارك وكانت أهمها معركة حران عام 53 قبل الميلاد، التي انتصر فيها الفرس. بعد ذلك، تحين لحظة العهد الساساني (224–651م)، والفضاء المشحون بصراعات داخلية وخارجية شكّلت، في مجموعها، أشكالاً متعدّدة من “المقاومة”. غير أنّ هذه المقاومة، في السياق الساساني، لم تنحصر في مواجهة الغزاة، بل امتدت إلى مقاومة التفكّك الداخلي، والصراع على العدالة الاجتماعية، والحفاظ على تماسك هوية إمبراطورية في عالم يتغيّر بسرعة.

كان يفترض أن تكون اللحظة الساسانية، لحظة استعادة المجد الفارسي بعد قرون من الهيمنة الأجنبية، لكنها وجدت نفسها، على النقيض من ذلك، في حالة مقاومة دائمة، لتحدّيات خارجية وداخلية. كان الصراع الطويل مع الإمبراطورية الرومانية ولاحقاً الإمبراطورية البيزنطية، من أبرز أشكال الصمود الساساني. بيد أنّ الصراع لم يكن دائماً على الحدود الجغرافية وتخوم السلطة، وإنما كان صراعاً على من يملك تعريف “المركز الحضاري” في العالم القديم، أو ما يوازي ما سمّي بعد الحداثة بالمركزية الحضارية. استمرت الحروب قروناً، بتوازن لافت بين القوتين، مع نجاح الساسانيين أحياناً في تحقيق انتصارات كبيرة (مثل عهد كسرى الثاني).

الفتح الإسلامي وارتواء الظمأ الحضاري
مع بدايات القرن السابع، بدأ الفتح الإسلامي. حاولت الجيوش الساسانية الدفاع عن أراضيها عسكرياً، وبالرغم من أنّ الأمر انتهى بسقوط الدولة، إلا أنّ الهوية بقيت راسخة. وبينما فشلت الدولة في الصمود السياسي، استمرت الثقافة الفارسية، لتعود لاحقاً وتزدهر داخل الحضارة الإسلامية. في الواقع كانت لحظة أسلمة إيران لحظة مفصلية تتجاوز في دلالاتها حدود الفتح العسكري؛ لحظة لا تشبه لحظات الصراع الحضاري بين الإمبراطوريات. فهنا الغايات مختلفة تماماً، والفاتح ليس غازياً يرمي إلى التوسّع الاستعماري وفرض السطوة الجيوسياسية، وإنما هو حامل رسالة توحيدية كان الفرس بفطرتهم متعطّشين لها على امتداد القرون، مما ساعد بشكل أساس على امتصاص الحضارة الإسلامية حتى تماهت بالفارسية وأخرجت أمة اكتملت فيها طبائع الأصالة والإيمان.

لعلّ ما يميّز التجربة الفارسية في مواجهة الاستعمار هو هذه القدرة الاستثنائية على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة التعريف، فالهزائم العسكرية لم تفضِ إلى انهيار حضاري، بل إلى تحوّلات عميقة في بنية الهوية.

هنا لم ينكفئ الفرس داخل هويتهم، ولم يعاندوا الانفتاح، بل انخرطوا في المشروع الحضاري الإسلامي انخراطاً عميقاً، حتى أصبحوا من أبرز صنّاعه. لقد تحوّلت اللغة الفارسية، في غضون قرون قليلة، إلى وعاء أدبي وفلسفي غني، وأسهمت في إنتاج نصوص كبرى في الأدب والفلسفة والعرفان.

هذا النمط من الاستجابة يمكن قراءته بوصفه شكلاً تقدّمياً من “المقاومة الثقافية”: مقاومة لا تقوم على الرفض، بل على الامتصاص وإعادة التشكيل. فبدل أن تمحى الهوية الفارسية داخل الإطار الإسلامي، أعادت هذه الهوية تعريف نفسها من خلاله، وأضافت إليه أبعاداً جمالية وروحية لا يمكن تجاهلها.

الثورة الدستورية: لحظة وعي بين الاستبداد والهيمنة
لم يعد الاستعمار في العصر الحديث، يتخذ الشكل التقليدي للغزو العسكري المباشر، بل أصبح أكثر تعقيداً وتخفّياً. ففي القرنين التاسع عشر والعشرين، تحوّلت فارس إلى ساحة تنافس بين بريطانيا وروسيا، حيث لم يكن الهدف احتلال الأرض بقدر ما كان السيطرة على القرار السياسي والاقتصادي.

في هذا السياق، برزت الثورة الدستورية الإيرانية (1906) بوصفها محاولة مبكرة لاستعادة السيادة الوطنية، ليس فقط عبر مقاومة النفوذ الأجنبي، بل كذلك عبر إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، حيثما لاذ الحاكم بالغرباء لضعف في إدارته، كما كان الحال في عهد ملوك القاجار. لقد كانت هذه الثورة، في جوهرها، بحثاً عن شكل جديد من الدولة، قادر على التوفيق بين الحداثة والاستقلال.

تشكّل الثورة الدستورية الإيرانية، تلك اللحظة التي بدا فيها أنّ المجتمع الإيراني لا يواجه الخارج فحسب، بل يلتفت إلى داخله، إلى بنية السلطة ذاتها، محاولاً إعادة تعريفها على نحو يقيه الاختراق؛ فكانت لحظة وعي تشكّل على وقع الإرادات الاستعمارية ونقاط الضعف في آن واحد.

وتعدّ ثورة التبغ التي بدأت قي أواخر القرن التاسع عشر، من أهمّ اللحظات التأسيسية للثورة الدستورية وفي التاريخ الإيراني الحديث بأكمله، ليس لأنها أسقطت نظاماً سياسياً، بل لأنها كشفت للمرة الأولى وبوضوح، قدرة المجتمع على مقاومة الهيمنة الاقتصادية الأجنبية عبر أدوات دينية واجتماعية وثقافية متشابكة؛ ذلك النسق الذي اتحد فيه صوت رجال الدين ورجال السوق وعموم الشعب رفضاً للامتيازات والحصانات التي منحها الملك للدول الغربية.

لم تكن إيران الأمّة التي قاومت لكي تنغلق، إنما يشهد لها التاريخ بأنها استوعبت الوافد من دون أن تذوب فيه، وأعادت تعريف ذاتها حيثما تعرّضت لزلزال تاريخي.

لقد مثّل إنشاء البرلمان (المجلس) وكتابة الدستور محاولة جريئة لإعادة توزيع السلطة، ونقلها من كونها امتيازاً شخصياً إلى كونها عقداً اجتماعياً.

غير أنّ هذه المحاولة لم تكن معزولة عن السياق الدولي؛ فقد تزامنت مع تصاعد نفوذ بريطانيا وروسيا، اللتين لم تنظرا بعين الرضا إلى أيّ مشروع قد يفضي إلى استقلال حقيقي لإيران. مع ذلك، فإنّ القيمة الحقيقية لهذه الثورة لا تقاس بمدى نجاحها السياسي المباشر، إنما بما أحدثته من كسر في الوعي.

لقد أدخلت مفاهيم مثل “الدستور”، و”التمثيل”، و”سيادة القانون” إلى المجال التداولي، وفتحت أفقاً جديداً للتفكير في العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وهي، بهذا المعنى، تعدّ لحظة ترجمة كبرى: ترجمة لمفاهيم الحداثة إلى لغة محلية لها طابع مستقل بذاته، ومحاولة لإعادة تأويلها ضمن سياق فارسي – إسلامي، بالرغم من هشاشة المسعى، أمام افتقاد البنية السياسية والاجتماعية القادرة على حمايته. غير أنّ بالإمكان القول، بأنّ الثورة الدستورية مهّدت، لسلسلة من التحوّلات اللاحقة، وصولاً إلى الثورة الإسلامية الإيرانية، حيث عاد سؤال “السيادة” و”الاستقلال” ليطرح من جديد، ولكن بأدوات وخطابات متقدّمة.

النفوذ الاستعماري الحديث
يصل الصراع بين إيران والقوى الاستعمارية إلى ذروته في منتصف القرن العشرين، مع قضية النفط. فحين قرّر محمد مصدق تأميم النفط، لم يكن ذلك مجرّد قرار اقتصادي، بل إعلاناً عن رغبة في كسر التبعية وإعادة امتلاك الموارد الوطنية.

لكنّ هذا القرار قوبل بردّ فعل عنيف، توّج بالانقلاب المدعوم من الولايات المتحدة وبريطانيا عام 1953. وهنا، تتجلّى بوضوح حدود “الاستقلال” في عالم تحكمه موازين القوى الدولية. إلا أنه، وكما في المحطات السابقة، لم تفض هذه الهزيمة إلى الاستسلام لإرادة الغرب، بل أسهمت في تراكم عصيان ووعي سياسي واجتماعي سيظهر لاحقاً في الثورة الإسلامية الإيرانية، التي يمكن قراءتها بوصفها رداً مركّباً على عقود من الهيمنة الخارجية والتبعية الداخلية، هيأ له عدد من رجال الدين والمفكّرين، حتى اكتمال المشهد عند عودة الخميني.

لا شرقية لا غربية، جمهورية إسلامية
كذروة مسار طويل من التوتر بين الداخل الإيراني وبنية الهيمنة الخارجية، حلت لحظة انتصار الثورة الإسلامية، لحظة الانفجار التاريخي، المنعطف المفصلي، وكذلك لحظة التراكم، حيث تلتقي ذاكرة ثورة التبغ، وتجربة الثورة الدستورية الإيرانية، وانكسار انقلاب 1953 في إيران، في أفق واحد مع حرب الثماني سنوات المفروضة: رفض التبعية للغرب وإعادة امتلاك القرار.

في الواقع تعدّ الحرب المفروضة بين إيران ونظام صدام حسين، الأنفاس الأخيرة لهيمنة فشلت في كسر شوكة الإيرانيين بالاستعمار المباشر، فراحت تلوذ بالأذناب الذين لا تنظر إليهم منظومة الغرب إلا ورقة محروقة هي من تحدّد تاريخ صلاحيتها.

هكذا أمست الحضارة الفارسية النموذج الإسلامي الأبرز، لأطروحة الدولة الحديثة، بالرغم من عدم إقرار قوى العالم العظمى بها كمشروع دولة حديثة.

إنّ لحظة الإسلام في فارس، جعلت التجربة الفارسية أقرب إلى مفهوم “الترجمة الحضارية”، حيث لا يكون الانتقال من ثقافة إلى أخرى مجرّد نقل سلبي، بل عملية تأويل وإعادة إنتاج.

ومع أنّ تحقّق الشكل الأكمل للحضارة الإسلامية استغرق قروناً مديدة ما بين الدولة العباسية ثم الفارسية المستقلة فالصفوية والقاجارية والبهلوية وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلا أنّ التجربة الإسلامية كانت طوال تلك الفترات، تزيد الفرس أصالة واتحاداً، انطلاقاً من الحسّ الإيماني التوحيدي المشترك في ما بينهم.

ولعل ما يميّز التجربة الفارسية في مواجهة الاستعمار هو هذه القدرة الاستثنائية على تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة التعريف. فالهزائم العسكرية لم تفض إلى انهيار حضاري، بل إلى تحوّلات عميقة في بنية الهوية.

لقد أدخلت مفاهيم مثل “الدستور”، و”التمثيل”، و”سيادة القانون” إلى المجال التداولي، وفتحت أفقاً جديداً للتفكير في العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

من كوروش الكبير وشعار “الفكر الصالح، القول الصالح، العمل الصالح”، وصولاً إلى الخميني الراحل فالخامنئي الشهيد وشعار “أميركا الشيطان الأكبر” و”نصرة المستضعفين” و”مقارعة الاستكبار”، روح واحدة، رأى فيها أمثال ميشال فوكو، روحاً سياسية تبحث عن المعنى، بعيداً عن حدود المصالح. هي روح شكّلت هذه الإرادة الشعبية التي تستجمع وحدتها وانسجامها الوطني بالرغم من كلّ الظروف، في لحظة المواجهة؛ حيث لا تستعاد الحرية والسیادة بالزناد، وإنما تنتزع عنوة بالإرادات التي خلف الزناد.

لعل قراءة وجيزة في تاريخ إيران، يجيب اليوم عن الكثير من التساؤلات الكامنة خلف ذهول العالم؛ كيف تقف إيران اليوم، في وجه رأس محور الاستكبار العالمي، أميركا والصهيونية؟ وكيف يراد منها أن تتوقّف عن الدفاع عن نفسها تحت شتى المسمّيات الزائفة في الماكينة الإعلامية العالمية، وتبقى رافضة لأيّ توقّف عن ممارسة هذا الحقّ المشروع، مشروعية مقدّسة استقاها الإيراني من دينه المحمدي، وتكليفه الذي يفرض عليه تنكيس راية الشيطان؟

اليوم يتجلّى الضعف الذي بدأ يتغلغل في أعماق “إسرائيل” أو “الكيان السرطاني” كما أسماه الإمام علي الخامنئي، وقد دعا حرس الثورة في رسالته التي توجّه بها إلى العالم العربي الشقيق، إلى الاتحاد وإلى تشكيل أمن وطني محلي وطرد القوى الأجنبية، فهل من ملتحق بقافلة المجد والحرية بين الجيران المسلمين؟ وأمام نداء “هل من ناصر؟” الذي تطلقه إيران اليوم بشكل غير مباشر؟ وهل يتجاوز هذا التلاحم الوطني الإيراني في مواجهة الاستكبار حدوده الجغرافية، ليصبح منبع استقطاب والتحام للشعوب المجاورة، تنضم إلى سيل الغضب الحارق، الذي لا يهدأ حتى يصبّ في المتوسط من ساحله الفلسطيني.. محرّراً فاتحاً منتقماً.. مصلياً في القدس؟

مصادر ومراجع
– طلال مجذوب، إيران من الثورة الدستورية حتى الثورة الإسلامية، 2018، دار ابن رشد للطباعة والنشر (مكتبة إلكترونية)

– إبراهيم مشارة، مقال بعنوان “ميشال فوكو والثورة الإيرانية”، مجلة القدس العربي، 2022

– أحمد کسروی، تاریخ مشروطه ایران، 1940، طهران، انتشارات امیر کبیر

– موسى النجفي وموسى فقيه حقاني، التحوّلات السياسية في إيران، 2016، مركز الحضارة، بیروت

– مهدی الماسی، نبرد ایرانیان، 2020، طهران، نشر طلایی

– Ali Gheissari, Iran’s Constitutional Revolution of 1906: Narratives of the Enlightenment (edited by Ali M. Ansari), Gingko Library, London, 2016

كاتبة ومترجمة وباحثة في الفلسفة من إيران

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات