الخميس, أبريل 23, 2026
الرئيسيةمقالات الرأيالجذور الهيكلية لحرب لا تعترف بالصدفة!.. بقلم لطفي الشناوي

الجذور الهيكلية لحرب لا تعترف بالصدفة!.. بقلم لطفي الشناوي

سودان تمورو:

لا يمكن بأي حال من الأحوال فهم المشهد المعقد للحرب الدائرة اليوم، والضربات المباشرة التي توجهها إسرائيل والولايات المتحدة لأهداف في الداخل الإيراني، بمعزل عن المنطق الاستراتيجي بعيد المدى الذي صاغ سلوك هؤلاء الفاعلين لعقود. إن اختزال هذه التطورات الميدانية المتسارعة في كونها مجرد أحداث مقطعية أو ردود أفعال تكتيكية متبادلة، هو تسطيح مخل بطبيعة الصراع؛ فهذه اللحظة الفارقة تمثل امتداداً لنسق تاريخي تتشابك فيه مفاهيم التفوق العسكري، والغموض الاستراتيجي، والاحتواء الاستباقي للتهديدات. نحن في الواقع أمام نقطة تلاقی حاسمة لصدام بين منطقين متناقضين تماماً في تعريف الأمن وإدارة القوة في الشرق الأوسط.

في الشق الأول من معادلة الصراع، تقف إسرائيل ككيان تبنى منذ لحظة تأسيسه سياسة منهجية تقوم على إبقاء حدوده الجغرافية مفتوحة وغير نهائية، تاركاً الباب موارباً بشكل دائم لإعادة تعريفها وفقاً لموازين القوة. إن استقراء التاريخ، بدءاً من حرب عام 1948 وتداعياتها، مروراً بحرب 1967 التي أفضت إلى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان، وصولاً إلى قرار الضم الرسمي للجولان في عام 1981، يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن مفهوم “الحدود” بالنسبة لتل أبيب لم يكن يوماً شأناً مغلقاً أو حقيقة نهائية. وحتى بعد الانسحاب من سيناء بموجب اتفاقية كامب ديفيد، ظلت الأوضاع في بقية الأراضي المحتلة معلقة ومفتوحة على كافة الاحتمالات. وقد تماهى هذا الغموض الجغرافي ببراعة مع مرونة مؤسساتية تتجلى في غياب دستور مدون، مما منح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة مساحة للمناورة وتكييف سياساتها التوسعية عبر الزمن دون قيود قانونية صارمة.

ولا يقتصر هذا الغموض على الجغرافيا، بل يمتد ليمثل العمود الفقري للعقيدة الأمنية الإسرائيلية القائمة على مبدأ “الضربة الاستباقية”. فالتاريخ العسكري الإسرائيلي حافل بالشواهد؛ من العدوان الثلاثي على مصر في أزمة السويس عام 1956، إلى تدمير سلاح الجو المصري وتغيير موازين القوى في ساعات خلال حرب 1967، وصولاً إلى استهداف المفاعل النووي العراقي “أوزيراك” في عام 1981 لوأد طموحات بغداد النووية، وتدمير المنشآت النووية السورية المفترضة في عام 2007. هذا النمط المتكرر يؤكد أن إسرائيل تسعى بشكل آلي ومستمر لاستئصال التهديدات الكامنة قبل أن تتبلور واقعاً على الأرض. وفي هذا الإطار الاستراتيجي ذاته، يمكن قراءة وتحليل الهجمات الأخيرة على إيران، بوصفها محاولة مستميتة لمنع تغيير معادلة الردع الإقليمية قبل أن تستقر وتتصلب.

ويتعمق هذا السلوك الاستراتيجي بسياسة “الغموض النووي” التي تنتهجها تل أبيب منذ ستينيات القرن الماضي. فإسرائيل لم تعلن يوماً بشكل رسمي عن امتلاكها ترسانة نووية، رغم تطابق التقديرات والشواهد الدولية على وجودها، وهو ما حقق لها ميزة استراتيجية مزدوجة: فرض حالة من الردع المطلق على خصومها، مع التهرب ببراعة من دفع الأثمان السياسية والقانونية التي تترتب عادة على القوى النووية المعلنة. يترافق ذلك، خاصة في العقود الأخيرة، مع تحولات أيديولوجية عميقة داخل السياسة الإسرائيلية، حيث تم نسج ارتباط وثيق بين الهوية الدينية والادعاءات التوسعية، وهو ما يتجسد بوضوح في تسريع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية والترويج لمفهوم “الحق التاريخي”، ليتحول الاستحواذ على الأرض من مسألة أمنية بحتة إلى قضية مشبعة بالحمولة الهوياتية واللاهوتية.

على الجانب الآخر من خط الصراع، تتموضع إيران، والتي ورغم خطابها الأيديولوجي الراديكالي بعد الثورة، إلا أنها لم تمارس دور “الفاعل المراجع” جغرافياً (Revisionist Actor) الساعي لتغيير الحدود. ففي الحرب الإيرانية العراقية، ورغم توفر فرصة سانحة لإنهاء النزاع بعد استعادة خرمشهر عام 1982، كان قرار مواصلة الحرب مدفوعاً بهدف استنزاف نظام صدام حسين وخلق ضمانات أمنية مستقبلية، وليس بهدف اقتطاع أو ضم أراضٍ عراقية. وطوال العقود التي تلت ذلك، لم يصدر عن طهران أي ادعاء رسمي يطالب بإعادة رسم الحدود السياسية لدول المنطقة.

بدلاً من التوسع المباشر، هندست طهران استراتيجيتها الإقليمية على أساس مفهوم “التوازن غير المتماثل”. تجلى هذا بوضوح منذ ثمانينيات القرن الماضي مع تأسيس حزب الله كرد فعل على الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وتعمق لاحقاً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عبر ملء الفراغ الاستراتيجي في العراق عقب إسقاط نظام صدام، ثم التدخل في سوريا لمنع انهيار حليف مفصلي يمثل حلقة الوصل في محورها، وصولاً إلى دعم فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات