سودان تمورو
يواجه الشارع الأمريكي حالة من التوجس المتزايد حيال الحجم الحقيقي للخسائر المادية التي تتكبدها الولايات المتحدة في مواجهتها العسكرية مع إيران. وبينما تكتفي الدوائر الرسمية بنشر الفتات من المعلومات، تشير التقديرات المسربة والقراءات التحليلية إلى أن الحقيقة تتجاوز بمراحل ما يُعلن، وهي حقيقة لو كُشف عن وجهها الكامل لأصابت الجمهور الأمريكي بالذهول، ولدفعت به نحو محاسبة قاسية للإدارة وحزبها الحاكم.
تكشف تقارير حديثة، استندت في بعض جوانبها إلى معطيات نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال“، أن المقاتلات الأمريكية التي سقطت خلال العمليات العسكرية الأخيرة تمثل ضربة قاصمة للمخزون الاستراتيجي الجوي. فعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة طائرة A-10 (المعدلة وفق التضخم) حوالي 18.8 مليون دولار، مع تكلفة تشغيل باهظة تتراوح بين 6,000 و 17,716 دولار لكل ساعة طيران واحدة.
أما الطائرات الأكثر تطوراً مثل F/A-18، فتقدر قيمتها بنحو 67.4 مليون دولار وفقاً لتقييمات قيادة أنظمة الطيران البحرية، وهي أرقام مرشحة للارتفاع بشكل حاد تبعاً لنوع الطراز والمعدات التقنية المزودة بها.
إن فقدان هذه الآليات ليس مجرد خسارة لقطع حربية، بل هو استنزاف لمليارات الدولارات من ضرائب المواطن الأمريكي.
ولم يتوقف الدمار عند هذا الحد؛ فقد شاهد العالم صوراً وثقت أضراراً جسيمة لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، شملت تدمير منظومات رادار عالية التكلفة، فضلاً عن تحييد مقاتلات من طرازي F-15 و F-35، وطائرة التجسس فائقة القيمة (AWACS). ولا يمكن إغفال التهديدات الوجودية التي تعرضت لها حاملات الطائرات، والتي تمثل قمة الهرم العسكري والمالي في الترسانة الأمريكية.
وتشير بعض التقديرات الاقتصادية إلى أن التكاليف اليومية لهذه الحرب تقترب من حاجز المليار دولار. وإذا ما حاولنا حصر التكلفة الإجمالية — ولو بشكل تقديري— بدمج أعداد الطائرات المقاتلة والمسيرة المحطمة، والآليات التي أعطبت، والقواعد التي سويت بالأرض بما تحتويه من أسرار عسكرية ومعدات غير معلنة، فإننا سنقف أمام “كارثة مالية” لم يسبق لها مثيل في التاريخ العسكري الحديث.
واشنطن التي دخلت هذه المعركة بنية إسقاط النظام الإيراني، وجدت نفسها اليوم في “وحل” استراتيجي؛ حيث تحول هدفها من الحسم العسكري إلى محاولة يائسة لتدمير البنى التحتية، بعد أن عجزت عن تحقيق أي خرق سياسي أو عسكري ملموس. هذا الفشل الذريع، مقروناً بالخسائر المادية الباهظة والنزيف البشري المتوقع أن يكون وقعه صادماً على الداخل الأمريكي، يضع الإدارة الحالية في موقف حرج للغاية.
إن حجم الدمار الذي لحق بالآلة العسكرية الأمريكية في حربها على إيران، والفشل في تحقيق الأهداف المعلنة، لا يهدد فقط هيبة الولايات المتحدة كقوة عظمى، بل يضع الحزب الحاكم على حافة الهاوية في الانتخابات النصفية القادمة؛ فالتستر على “أرقام الكارثة” لن يدوم طويلاً أمام واقع الميدان المرير.
