الجمعة, أبريل 17, 2026
الرئيسيةأحدث الأخبارالموت تحت الانقاض: حين يبتلع الثراء الموهوم أرواح الكادحين

الموت تحت الانقاض: حين يبتلع الثراء الموهوم أرواح الكادحين

خاص سودان تمورو
لم تكن فاجعة “منجم كليتي” بمحلية القنب والأوليب بولاية البحر الأحمر مجرد حادث عارض، بل هي حلقة جديدة في مسلسل “الموت تحت الأنقاض” الذي بات يطارد الآلاف من الباحثين عن بريق الذهب في فيافي السودان. فبينما كانت وزارة الصحة بالولاية تعلن عن بقاء نحو 30 معدناً تحت الركام، وجهود الإنقاذ تسابق الزمن لانتشال العالقين، كانت صرخات الفقد تعيد إلى الأذهان تساؤلات مؤرقة حول ثمن “الجرام” الواحد حين يُدفع من دماء الشباب.
إن فاجعة “كليتي” الأخيرة، التي أسفرت عن إصابات وحالات وفاة لا تزال قيد الحصر، ليست إلا صدىً لكوارث سابقة هزت الوجدان السوداني، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
• كارثة منجم “أم دريساية” (2021): بقطاع غرب كردفان، حيث انهار المنجم على رؤوس العشرات، مما أدى لوفاة ما لا يقل عن 38 شخصاً في واحدة من أسوأ كوارث التعدين العشوائي تاريخياً.
• انهيار منجم “وادي العشار” (2023): بشرق السودان، والذي راح ضحيته عدد من الشباب نتيجة غياب أبسط مقومات السلامة المهنية.
• حوادث مناجم “أبو حمد” و”تلس”: حيث تكررت الانهيارات بسبب طبيعة الأرض الهشة واستخدام طرق حفر بدائية تفتقر للدعامات والتهوية.
إن إلقاء النفس في “آبار الموت” تحت وطأة الظروف الاقتصادية الراهنة لا يمكن تصنيفه إلا كفعلٍ تراجيدي تدفع إليه الحاجة، لكن “المسغبة” ليست مبرراً لإلغاء غريزة البقاء. وهنا تبرز مسؤولية الدولة كقائد وناظم:
1. الدور التوعوي: على أجهزة الدولة الإعلامية الخروج من دور “الناعي” للموتى إلى دور “الواقي” من الكوارث، عبر حملات توعوية مكثفة تبين مخاطر الحفر العشوائي والتربة غير المستقرة.
2. الرقابة الميدانية: لا يجب أن يُترك المعدنون لتقديراتهم الشخصية في مناطق شديدة الخطورة؛ بل يجب فرض رقابة صارمة على شروط السلامة في مناطق التعدين التقليدي.
3. المعالجة الجذرية: إن الحل لا يكمن في سد الآبار فحسب، بل في تذليل العقبات المعيشية التي تدفع المواطن نحو هذه المغامرات الانتحارية.
إننا إذ نثمن جاهزية فرق الإسعاف بوزارة الصحة في ولاية البحر الأحمر وجهودهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، نناشد في الوقت ذاته إخوتنا المعدنين بضرورة توخي أقصى درجات الحيطة والحذر. إن الرزق يُطلب بالعمل، لا بإلقاء النفس في التهلكة.
وعلى الحكومة بكافة مستوياتها أن تدرك أن استخراج الذهب من باطن الأرض لا ينبغي أن يعادل استنزاف الأرواح من أجساد الشباب. لقد آن الأوان لتنظيم هذا القطاع بشكل يحمي “الإنسان” قبل أن يجمع “المال”، فكل كنوز الأرض لا تعوض دمعة أمٍ فُجعت في فلذة كبدها تحت ركام بئرٍ ضاقت بأحلامه قبل أن تضيق بجسده

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -<>

الأكثر شهرة

احدث التعليقات