سودان تمورو
“الرزق محروق ومدمّر.. واليوم أصبحنا ضمن الخط الأصفر وممنوعين من العودة”.
بهذه الكلمات يصف ابن بلدة الخيام، محمد أبو سمرا، مشهد عودته إلى بلدته التي وضعها الاحتلال ضمن ما سُمّي بالخط الأصفر بعد إعلان الهدنة المؤقتة في لبنان بتاريخ 16 نيسان/أبريل 2026. محمد، الذي يشارك والده في الزراعة، يستخدم أرضه في “وطى الخيام” لتأمين قوت يومه من خلال بيع ما ينتجه من فواكه وخضار. وبرغم التهجير القسري خلال العدوان الإسرائيلي 2023-2024، عاد محمد إلى بلدته بعد إعلان وقف إطلاق النار لزراعة الموسم الصيفي عام 2025، وأعاد إعمار منزله الذي دُمّر سابقاً.
وصل الشاب الثلاثيني إلى الخيام عند الساعة الخامسة صباحاً، بمجرد إعلان بدء الهدنة، مخاطِراً بحياته فقط من أجل الاطمئنان على رزقه. أما اليوم، فيرى أن ما يصفه الاحتلال بـ”المنطقة العازلة” ما هو إلا احتلال مباشر يمنع الأهالي من العودة، ويؤدي تلقائياً إلى انعدام الحياة بشكل كامل، وتعطيل الإنتاج الزراعي والتبادل التجاري.
ويشير محمد إلى أن كل ما زرع يحتاج إلى رعاية ومياه، إلا أن جميع ما غُرس قد تَلِف، ويتابع: “الرزق يعادل الروح، وكأنك تخسر روحك، لكننا شباب ونملك الإرادة، وما يصبّرنا أننا مستعدون للعودة وإعادة إعمار كل ما دمّره الاحتلال”.
ويعدّ “الخط الأصفر” إجراء ميدانياً أعلن عنه جيش الاحتلال الإسرائيلي يوم السبت بتاريخ 18/4/2026، يقضي بفرض شريط أمني داخل الأراضي اللبنانية الجنوبية، بعمق يتراوح بين نحو 4 و10 كيلومترات، تحت ذرائع أمنية مرتبطة بمنع ما يسميه “التهديدات الحدودية”. ويشمل هذا الخط عشرات القرى والبلدات الحدودية، حيث يمنع الأهالي من العودة إلى منازلهم أو الوصول إلى أراضيهم الزراعية، في خطوة تتجاوز مفهوم “المنطقة العازلة” التقليدية، لتفرض واقعاً جغرافياً جديداً من طرف واحد. ويأتي هذا الإجراء خارج أي إطار تفاوضي أو قانوني دولي، ومن دون اعتراف أممي، ما يجعله خطوة عدوانية جديدة، باعتباره محاولة لإعادة رسم الحدود الميدانية، وفرض وقائع دائمة بقوة الأمر الواقع.
هذا الواقع الذي اصطدم به المواطن محمد أبو سمرا تصفه المحامية فداء عبد الفتاح لـلميادين نت بأنه لا يملك أي سند قانوني. ففي تشريحها للواقع القانوني، تجزم عبد الفتاح أن “الخط الأصفر” يفتقر لأي شرعية دولية، واصفةً إياه بـ”البدعة الصهيونية” التي تهدف إلى تكريس احتلال قرى إضافية تحت مسميات وهمية. وتشير إلى أن هذا التمدد يخالف جوهر الاتفاقيات الدولية، بما فيها القرار 1701، حيث يفرض الاحتلال واقعاً جغرافياً بالقوة بعيداً من أي تنسيق سيادي.
وينص ميثاق الأمم المتحدة، في المادة 2 الفقرة الرابعة، على أنه لا يحق لأي “دولة” فرض واقع جغرافي جديد داخل حدود دولة أخرى بدون اتفاقية ثنائية أو قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي.
ومع تحوّل معظم هذه القرى إلى ركام، تُصنّف عبد الفتاح هذا الدمار الممنهج كـ”جريمة حرب” مكتملة الأركان. ولأن القضاء اللبناني لا يعترف بكيان الاحتلال، فإن المسار القانوني الوحيد المتاح للأهالي يمر عبر ادعاء الدولة اللبنانية أمام المحاكم الدولية. أما على الأرض، فترى أن الميدان والمقاومة المسلحة هما الكفيلان الوحيدان بكسر مفاعيل هذا الخط واستعادة حقوق أبناء الأرض.
ومن قلب بلدة عديسة، التي يصفها ابنها الذي ترعرع فيها، علي حاريصي، بـ”قرية الصمود”، تبرز صورة أخرى لهذا الاحتلال المقنّع. فيؤكد حاريصي: “نحن لا نعترف بشيء اسمه الخط الأصفر، وهذا الاختراع الصهيوني إلى زوال بهمة المقاومة”.
ويرسم حاريصي مشهداً مؤلمًا لبلدة كانت، حتى أمدٍ قريب، القلب النابض للمنطقة، قائلاً: “مشهد الدمار يُدمع العين. فعديسة هي الأكثر حيوية، وعقدة الوصل التي تربط قرى الطيبة ورب ثلاثين ومركبا، وصولاً إلى بنت جبيل. لم تكن عديسة مجرد نقطة حدودية، بل كانت مقصداً تجارياً وسياحياً للقادمين من بيروت والقرى المجاورة للتبضّع وتأمين احتياجاتهم الصناعية والغذائية، ما جعلها مصدر رزق لعدد من العائلات، حتى تلك القاطنة خارجها”.
إلا أن هذا الشريان الحيوي تعرّض لعملية “إعدام ممنهجة”، حيث حوّل الاحتلال البلدة إلى ساحة دمار، مستهدفاً هويتها وتراثها عبر نسف البيوت الصخرية المبنية على النسق التراثي القديم، وتدمير الشاليهات التي كانت تمنحها طابعاً سياحياً. حتى إن الاحتلال عمد إلى تفجير “عين عديسة” مرتين متتاليتين، بعد أن استثمرت فيها البلدية لتصبح مصدراً أساسياً لمياه الشرب للبلدات المحيطة.
وبرغم هذا الرماد، يؤكد حاريصي أن الأمل موجود، وأن الاستعداد للعودة حاضر عند أول إعلان لوقف إطلاق النار، لإعادة إعمار كل ما دمّره الاحتلال من جديد.
وفي ردّ للمتحدث باسم قوات اليونيفيل في لبنان، أعلن أن الخط المعترف به هو الخط الأزرق فقط، ما يؤكد مخالفة “تل أبيب” للقوانين الدولية عبر فرضها ما يسمى بالخط الأصفر بالقوة ومن طرف واحد، من دون العودة إلى مجلس الأمن. وليست هذه المرة الأولى التي يحاول فيها كيان الاحتلال فرض واقع جديد نحو توسيع استيطانه؛ فقد سبق أن أعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زمير، أن الخط الأصفر المُختلق في قطاع غزة يرسم “الحدود” الجديدة لـ”إسرائيل”. كما ساهمت المنطقة العازلة في الجولان السوري، والتي تبلغ مساحتها نحو 75 كيلومتراً، في دخول آليات وجنود الاحتلال للسيطرة عليها تحت ذريعة “دخول مسلحين”، ما يفسر المضي نحو توسيع حدود الكيان الإسرائيلي لإنشاء “إسرائيل الكبرى”.
إلا أن هذا الواقع الأمني-العسكري يخلق أيضاً واقعاً اجتماعياً غير طبيعي على سكان البلدات الواقعة ضمن الخط المزعوم. ويخالف المادة 54 من القانون الدولي الإنساني التي تحظر تدمير الأعيان التي لا غنى عنها للمدنيين، كما يخرق المادة الأولى من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي تنص على حق الشعوب في التصرف الحر بثرواتها ومواردها، وعلى أنه لا يجوز، في أي حال، حرمان أي شعب من أسباب عيشه الخاصة.
وهذا ما يفسّره ميدانياً رئيس بلدية بنت جبيل، محمد بزي، الذي فقد ابنه الوحيد في بداية العدوان، حيث يقدّر أن عدد العائلات التي نزحت من المدينة بلغ نحو 2500 عائلة، فضلاً عن إقفال أكثر من 500 محل تجاري، من ضمنها عدد كبير من التجار الموجودين خارج المدينة. أما فيما يتعلق بالبنى التحتية، فيشير بزي إلى أن الاحتلال دمّر بالكامل محطتي تغذية كهرباء أساسيتين في منطقتي صف الهوا وحي البركة داخل البلدة، بالإضافة إلى الشبكات الداخلية في مختلف الأحياء، لا سيما وسط المدينة حيث حجم الدمار أكبر.
وقد تم تدمير خزان مياه يسع 900 متر مكعب، وتُظهر صورة جوية بحوزة البلدية ضرراً جزئياً أيضاً في الخزان الرئيسي لبنت جبيل، الذي تبلغ سعته 2000 متر مكعب. ويتوقع بزي أن شبكات التوزيع الداخلية ستتدمر حتماً بشكل كامل نتيجة عمليات التجريف وتدمير معظم طرقات المدينة، كما تعرضت معظم الطرقات الداخلية والفرعية لتجريف وتدمير، إضافة إلى شبكات كهرباء لبنان ومحطات التحويل وأعمدة الإنارة.
وطال الدمار بشكل كامل مبنى أوجيرو وملعب المدينة، بالإضافة إلى ضرر كبير في سرايا بنت جبيل الحكومي ومركز الشؤون الاجتماعية ومعظم مدارس المدينة ومستشفى صلاح غندور والمستشفى الحكومي. وتعرضت حقول وبساتين بنت جبيل، التي تُعد خزاناً اقتصادياً، لتجريف ممنهج.
أما عن إعادة الإعمار والترميم، فيُعد العائق المادي اليوم من أبرز التحديات أمام البلدية، حيث يعتمد التمويل على المساعدات من مجلس الجنوب وجهات مانحة، واصفاً بزي العمل بـ”اللحم الحي” بعد تدمير السوق والمرافق التي كانت تؤمن دخلاً أساسياً لصندوق البلدية. وقد حاولت البلدية تأمين خطط بديلة واستلام مهامها منتصف عام 2025، حيث وضعت خطة أولية لمعالجة تداعيات عدوان 2024، إلا أنه يرى أنه لا يمكن التكهن بحجم الضرر بدقة في هذه المرحلة.
يؤكد تقاطع الشهادات الحية مع الوقائع الجغرافية والقوانين الدولية إمعان “إسرائيل” في انتهاك جميع الاتفاقيات، ما يضع مصداقية مجلس الأمن على المحك أمام واقع اجتماعي كارثي يُصنع. ويُضاف إلى ذلك خرق المادة 43 من لائحة لاهاي 1907 (مجموعة من القواعد الدولية المتعلقة بأعراف وقوانين الحرب البرية)، التي تنص على تحقيق الأمن والنظام العام وضمانه، مع احترام القوانين السارية في المناطق الواقعة تحت الاحتلال.
إلا أن الخطورة لم تتوقف عند الميدان، بل امتدت لتطال الوعي الجمعي محلياً. ففي ظل غياب التنسيق بين المؤسسات الرسمية، برز خطاب يتبنى مصطلحات الاحتلال. وقد تجلّى ذلك في الاستبيان الذي نشرته وزارة التربية اللبنانية، والذي تضمن طلباً للمدارس والثانويات بتحديد موقعها ضمن ما يسمى بـ”الخط الأصفر”، معتمدةً بذلك التسمية التي اختلقها جيش الاحتلال، بدون استشارة قانونية أو مراعاة للأبعاد السياسية والأمنية والاجتماعية.
وبرغم سحب الاستبيان لاحقاً تحت ضغط واعتراض المعلمين والأساتذة، فإن هذه الحادثة دقّت ناقوس الخطر، إذ إن الاعتراف التلقائي بهذه المصطلحات في السجلات الرسمية قد يؤدي إلى شرعنة هذا الخط العابر للقوانين الدولية، ويمنح غطاءً غير مقصود لتكريس الاحتلال.
