سودان تمورو
في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، لطالما أظهرت بكين حذراً دبلوماسياً بالغاً في مقاربتها للصراع الدائر. ففي حين اكتفت وزارة خارجيتها بتوصيف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بأنها “انتهاك للقانون الدولي”، وحرص الرئيس شي جين بينغ في اتصالاته مع القيادة السعودية على التشديد على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، كانت التقارير الاستخباراتية الأمريكية تهمس بتحركات صينية صامتة لتزويد طهران بصواريخ محمولة على الكتف. ولكن، بعيداً عن الدعم الاقتصادي أو الدبلوماسي أو حتى العسكري المباشر الذي بدا محدوداً، كانت الساحة الحقيقية التي مارست فيها الصين دورها الأكثر حسماً وتأثيراً تدور في صمت تام، على بعد مئات الكيلومترات فوق الغلاف الجوي للأرض.
لقد تحولت شبكات التواصل الاجتماعي ومنابر التحليل العسكري مؤخراً إلى معرض مفتوح لصور التقطتها الأقمار الصناعية الصينية، كاشفةً أدق التفاصيل في ساحات الشرق الأوسط. حدث هذا التدفّق المعلوماتي في وقت مفصلي، حيث رضخت الشركات الأمريكية لضغوط إدارة ترامب مقيدةً وصول الصحفيين والباحثين إلى بيانات المصادر المفتوحة الحيوية. هذا التباين لم يكن مجرد صدفة تجارية، بل إعلاناً رسمياً بانتهاء حقبة الاحتكار الغربي لصور الأقمار الصناعية عالية الدقة، وتتويجاً لقفزة صينية هائلة في تكنولوجيا مراقبة الأرض، مما وضع محللي الاستخبارات المفتوحة أمام سلاح ذي حدين؛ يمنحهم الرؤية من جهة، وينذر بمتغيرات جيوسياسية عميقة من جهة أخرى.
بالنسبة لبكين، لم تكن الحرب الدائرة سوى فرصة ذهبية واستعراضاً حياً لقدرات ترسانتها الفضائية. وفي هذا السياق، يرى خبراء البيانات الجغرافية، ومنهم بيل جرير، أن القيود التي فرضتها واشنطن قد منحت منافسيها تفوقاً مجانياً وغير مبرر؛ ففي حين عصبَت أمريكا أعين شركاتها وأخرجتها من المنافسة، واصل الخصوم حصد البيانات عبر مساراتهم الخاصة. وتجلت هذه الحقيقة بوضوح مع تصاعد الأدلة على التعاون الوثيق بين شركات الفضاء الصينية وطهران؛ إذ وفّرت شركة “تشاينا سيوي” المرتبطة بالحكومة الصينية صوراً فائقة الدقة للقواعد الأمريكية ومراكز حلفائها، تزامناً مع تقارير تفيد باقتناء الحرس الثوري الإيراني لقمراً صناعياً صينياً كان هو المصدر الأساسي للصور التي وثقت نتائج الضربات الإيرانية.
هذا الحضور الصيني الطاغي ليس إلا ثمرة لاستراتيجية توسع فضائي شرسة. ففي عام ٢٠٢٥ وحده، أطلقت بكين أكثر من ١٢٠ قمراً صناعياً للاستشعار عن بعد، ليتجاوز أسطولها ٦٤٠ قمراً، محتلة المركز الثاني عالمياً خلف واشنطن. ولكن الفارق الجوهري يكمن في الهيكلية؛ فبينما تعتمد الشركات الأمريكية على بيع الصور للوكالات العسكرية والاستخباراتية ضمن أطر تجارية بحتة، تتلاشى الخطوط الفاصلة بين القطاعين الخاص والعسكري في الصين. وتُعد منظومة “جيلين-١” العملاقة، التي تضم أكثر من مئة قمر وتديرها شركة وثيقة الصلة بجيش التحرير الشعبي، دليلاً صارخاً على ذلك، حيث تهدف إلى مسح أي نقطة على وجه الأرض كل عشر دقائق.
اليوم، تقف الشركات الصينية والأمريكية على قدم المساواة في حلبة مراقبة الأرض، بل إن بكين تتفوق في قدرات حاسمة مثل سرعة وتكرار عودة القمر لتصوير نفس المنطقة، وتتوازى مع واشنطن في تقنيات معالجة البيانات داخل الفضاء ذاته. ورغم أن غياب القيود الغربية المزعجة جعل من الشركات الصينية شريكاً مفضلاً للبعض. وقد أسفرت هذه المعادلة عن “شفافية” أفضت إلى فضح حجم الأضرار التي لحقت بالمعدات العسكرية الأمريكية ومنشآت الطاقة في الخليج، في تحدٍ صارخ للعقوبات الأمريكية التي استهدفت شركات صينية سابقاً وثبت فشلها في كبح جماح هذا التنين الفضائي.
