سودان تمورو
لم يعد الحديث عن “الجيش الذي لا يقهر” مجرد أسطورة عسكرية تحطمت، بل بات الحديث اليوم عن “الجيش الذي لا يتورع”، حيث كشفت التقارير الأخيرة، ولا سيما ما نشرته صحيفة “هآرتس” العبرية، عن تحول وحدات عسكرية كاملة في جنوب لبنان إلى عصابات تمارس النهب والسلب العلني. هذا المشهد لا يعكس مجرد تصرفات فردية، بل يؤشر على انهيار قيمي وأخلاقي عميق يضرب بنية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
ما نقلته “هآرتس” عن مقاتلين وقادة ميدانيين ليس مجرد تجاوزات عابرة، بل هو استباحة كاملة لممتلكات المدنيين فالجنود الإسرائيليون، نظاميون واحتياط، لم يكتفوا بتدمير القرى، بل انخرطوا في حملات نهب شملت
الأجهزة الكهربائية والأثاث والمقتنيات ووسائل النقل وغيرها من ممتلكات اللبنانيين تُحمل علانية على المركبات العسكرية.
”الأمر يتم على نطاق جنوني.. الجميع يرى ولا أحد يخفي شيئاً” – شهادة جندي إسرائيلي لصحيفة هآرتس.
هذا السلوك في لبنان ليس معزولاً، بل هو امتداد لنهج “الفوضى المنظمة” الذي مورس ويمارس في الأراضي الفلسطينية ففى قطاع غزة منذ بداية حرب أكتوبر 2023، وثقت تقارير وفيديوهات نشرها الجنود أنفسهم على منصات التواصل (مثل تيك توك) قيامهم بسرقة أموال من المنازل، والاستيلاء على حلي ذهبية، بل والتفاخر بفتح صناديق هدايا الأطفال.
وفى الضفة الغربية حيث تجرى اقتحامات المدن سجلت مؤسسات حقوقية مئات الحالات لمصادرة مبالغ مالية ضخمة من محلات الصرافة والمنازل تحت ذريعة “تمويل الإرهاب”، دون تقديم أي جرد رسمي أو إعادتها لأصحابها، ناهيك عن تخريب الممتلكات الشخصية بدافع “الانتقام”.
وتتجلى الفجوة الأخلاقية في أن هذه الأفعال تتم دون رقابة أو محاسبة. عندما يتحول الجندي من حامٍ لمنظومة أمنية إلى سارق للسجاد والأرائك، تسقط سردية “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” وتنكشف عقلية الاستباحة التي تغذيها ثقافة الإفلات من العقاب.
وتتأرجح مبررات القيادة السياسية والعسكرية بين التجاهل المتعمد والتحجج بـ “الاستثناءات”، ويمكن تلخيصها في الآتي:
تبرير “الحالات الفردية”: يدعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دائماً أن هذه التصرفات لا تمثل قيم الجيش، وأنها تخضع للتحقيق، لكن الواقع يثبت غياب أي محاكمات رادعة، مما يجعل التبرير مجرد “امتصاص للغضب” الدولي.
التحريض السياسي: التصريحات اليمينية المتطرفة من وزراء مثل “سموتريتش” و”بن غفير” تخلق بيئة تشرعن تجريد “العدو” من إنسانيته وممتلكاته، حيث يُنظر إلى النهب كنوع من العقاب الجماعي أو “ثمن الحرب”.
الذريعة الأمنية: في حالات سرقة الأموال والمعدات الإلكترونية، يتم التبرير غالباً بأنها تخدم “أهدافاً استخباراتية” أو تمنع وصول التمويل للفصائل، وهي ذريعة فضفاضة تغطي على عمليات السرقة المباشرة.
إن تحول الجيش الإسرائيلي إلى “آلة نهب” في جنوب لبنان وغزة ليس مجرد أزمة انضباط، بل هو انعكاس لـ أزمة هوية عسكرية. عندما تصبح “الغنائم المدنية” مكافأة للجندي على الجبهة، يفقد هذا الجيش أي ادعاء بالأخلاقية، ويتحول إلى مليشيا مسلحة تتحرك بدافع الانتقام والجشع، تحت غطاء سياسي يبارك الجريمة بالصمت أو التبرير الواهي.
